مقدمــــة:

 

هذا هو الجزء الثاني من تاريخ الفلسفة اليونانية في العصر الهلليني، بعنوان: "الفلسفة اليونانية في العصر الذهبي: سقراط- أفلاطون- أرسطو". نسير فيه على نفس المنهج الذي بدأناه في الجزء الأول من هذا التاريخ بعنوان: "الفلسفة اليونانية في العصر الهلليني، من طاليس إلى السوفسطائيين".

 

وبسقراط تبدأ أثينا عصرَ العبقرية اليونانية الأصيلة. لقد نشأت الفلسفة اليونانية في إيونيا (Ionia)، بآسيا الصغرى، ثم انتقلت إلى المستوطنات الزاهرة في اليونان الكبرى (Magna Graecia)، أي جنوبي إيطاليا وصقلية. ومع السفسطائيين الأجانب بدأت الأنظار تتجه إلى أثينا، ومنذ سقراط ستصبح أثينا موطن الفلسفة.

 

في أواسط القرن الخامس ق.م. راحت التيارات الفلسفة المتضاربة تصب في جدول فكري ضخم كان من أعظم روافده الأنظمة الفلسفية المتكاملة التي وضع أسسها سقراط وأفلاطون وأرسطو. في تلك الحقبة كانت أثينا قد أصبحت، في عهد بركليس العظيم (494-429 ق.م.) المحجة الفكرية، التي كان الفلاسفة والشعراء يتوافدون عليها من أنحاء العالم اليوناني القديم. وكان من أهم عوامل تزعم أثينا للعالم اليوناني القديم انتصارها في الحرب الفارسية الأولى، ودحر الأسطول الفارسي في معركة ماراثون (Marathon) سنة 490 ق.م. وقد نبغ في هذه الفترة أعظم شعراء التراجيديا والكوميديا: كأيسخيلوس Aeschylus، وسوفكليس Sophocles ويوريبيدس Euripides وأرستوفانيس Aristophanes.

 

ولما بدأت الحرب البيلوبونوسية سنة 431 ق.م. أخذ نفوذ أثينا في الانحسار أمام إسبرطة التي انتصرت في معركة أيجوسبوتاموس (Aegosopotamus) سنة 405/404 ق.م. وأصبحت أهم قوة عسكرية في بلاد اليونان. وكان من نتائج انتصار اسبرطة تنصيب حكومة الثلاثين الأوايجاركية (= حكومة القلة الغنية) على أثينا. إلا أن هذه الحكومة لم تلبث أن سقطت، فأقامت إسبرطة حكومة ديمقراطية على الأثينيين سنة 400 ق.م عاش سقراط في ظلها وقُتل آخر الأمر بتحريض من زعمائها.

 

كان من أوائل الفلاسفة الذين وفدوا على أثينا من أيونيا في آسيا الصغرى أنكساجوراس المولود بكلازوميناي (Clazomenae) والذي أقام في ملطية (Miletus) ردحًا من الزمن، ثم رحل عنها لدى سقوطها في يد الفرس سنة 494 ق.م. كما رأينا في الجزء الأول من تاريخ الفلسفة اليونانية([1])، فحل في أثينا حتى أقام ثلاثين عامًا، انتهت بالحكم عليه بالموت بتهمة الكفر والميول الفارسية. إلا أن صديقه ونصيره بركليس استطاع أن ينقذه فرحل عنها إلى لامبساكوس (Lampsacus)، بأيونيا، حيث توفى هناك حوالي سنة 428 ق.م. ونكاد لا نسمع بعَلَم فكري آخر نبغ في أثينا قبل أنكساجوراس. أما بعد أنكساجوراس، فقد أصبحت أثينا مركز الحياة العقلية طيلة ما يقارب الألف سنة.

 

وكان سقراط أول فيلسوف أثيني المحتد والنشأة يُعتد به، وكذلك تلميذه أفلاطون. أما أرسطو فقد وفد على أثينا من الشمال، كما سنرى، وأقام فيها سنين عدة، كما أسس مدرسته الشهيرة "اللوكيون" في تلك المدينة.

ويمتاز هؤلاء الثلاثة، بالإضافة إلى أواصر الصلة بينهم وبين تلك المدينة، بالإقبال على التآليف بين العناصر الفكرية المتضاربة التي أفرزتها التيارات الأيونية والإيطالية التي شرحناها في الكتاب السابق، وتشييد بنيان فلسفي متكامل تميز بخصائص عدة. منها، أولاً، الثورة على الشكوكية السفسطائية وما يلزم عنها من الأخذ بموقف نسبي وذاتي من القيم الخلقية والسياسية كان بطلها سقراط. ومنها، ثانيًا، التوفيق بين أهم تيارين ميتافيزيقيين، هما الصيرورة الهيرقليطية والسكون الإليائي الذي تجرد له أفلاطون. ومنها ثالثًا، تشييد بناء علمي وفكري متكامل قائم على منهج فلسفي محكم ابتدعه أرسطوطاليس وبنى عليه نظامًا كونيًا جامعًا أحاط بجميع جوانب المعرفة آنذاك، من فيزيقا وميتافيزيقا وسياسة وأخلاق وسواها.

 

وسوف نقسم هذا الكتاب إلى ثلاثة أبواب:

الباب الأول: سقراط.

الباب الثاني: أفلاطون.

البابع الثالث: أرسطوطاليس.

 

والله- تعالى!- من وراء قصدي، هو مولاي عليه أتوكلُ وإليه-تعالى!- أنيبُ.

د. شرف الدين عبد الحميد                                           

جامعة سوهاج .

 

 

([1])  د. شرف الدين عبد الحميد: الفلسفة اليونانية في العصر الهيلليني، من طاليس إلى السفسطائيين، ص 301.