ترتبط إدارة التعليم فى أى مجتمع بالنظام السياسى والاقتصادى ونظام الإدارة العامة فى هذا المجتمع، كما تعكس الإدارة التعليمية فى المجتمع الاستراتيجية والأيديولوجية لهذا المجتمع. ومن هذا المنطلق ذهب بعض رجال الإدارة التعليمية إلى القول بأن الإدارة المركزية يشيع انتشارها فى الدول الديكتاتورية التى ترمى إلى تحقيق نوع من الضبط والسيطرة والإشراف الإدارى، وتربية نشئها بحسب خطة مرسومة تتفق وفلسفتها فى الحياة، أو فى الدول الديمقراطية التى تحسب حساباً لعوامل خارجية أو داخلية، قد تؤول إلى تفكك المجتمع وانهياره، أو قد تطوح بثقافتها الخاصة، أما الإدارة اللامركزية فتنتشر فى الدول الغربية وبدرجات متفاوتة وذلك لتحقيق مزيد من الديمقراطية فى إدارة التعليم ومشاركة أجهزة الحكم المحلى فى الإدارة التعليمية.
ولكن مهما تنوعت أساليب الإشراف على التعليم وتنوعت أنماط الإدارة التعليمية فإنها تقف قرباً أو بعداً من نمطين أساسيين من أنماط الإدارة التعليمية هما النمط المركزى، والنمط اللامركزى، وتقوم الدولة بصفة عامة بتكييف نظامها التعليمى تبعاً لمصالحها وأهدافها، وتحقيقاً لذلك فإنها تتخير نمط الإدارة الذى يتفق وفلسفتها، وتتخير نمط المؤسسات التعليمية الذى يتفق مع مذهبها السياسى.
ومن الدول التى تتبع المركزية المطلقة أو المُلَطَفة، جمهورية الصين الشعبية، وفرنسا، وجمهورية كوريا الجنوبية، واليابان، ففى جمهورية الصين الشعبية تخضع كافة المؤسسات التعليمية لإشراف الدولة، كما تتحمل الدولة نفقات نشر التعليم فى كافة أنحاء البلاد، ويتمثل نمط الإدارة التعليمية فى جمهورية الصين الشعبية فى وجود هيئات مركزية تمارس مدى واسعاً من السلطات فى التخطيط واتخاذ القرارات، ويعتبر مجلس الوزراء الهيئة الإدارية التى يمكن أن تتحكم فى السياسة التعليمية للدولة، كما تعد اللجنة الوطنية للتربية هى أعلى هيئة إدارية للتعليم فى الدولة، حيث تأخذ القوانين والتشريعات التعليمية وتحولها إلى سياسة تعليمية، وتصدر بها قرارات وتعليمات إلى السلطات التعليمية الإقليمية والمحلية الأقل منها، وهكذا تصل القرارات إلى المدارس فتنفذها تنفيذاً حرفياً.
أما فى فرنسا فعلى الرغم من التزامها بالأسلوب الديمقراطى فى الحكم إلا أنها تمثل النمط المركزى التقليدى فى إدارة التعليم وتنظيمه، حيث تقوم الدولة بمعظم ما يتعلق بالشئون التعليمية، حيث تنفرد السلطة المركزية بالتخطيط واتخاذ القرارات، إلا أنها فى الوقت نفسه تعطى أهمية لمشاركة السلطات التعليمية الإقليمية فى صياغة السياسة التعليمية وصنع القرار التربوى، ويرجع ذلك إلى مفهوم المركزية الذى تأخذ به فرنسا- حالياً- من أجل توسيع السلطات بشكل واسع،ومنح كل مؤسسة سلطات تجيز لها تكييف نظامها التربوى ليتلاءم مع متطلبات ظروفها الخاصة، واتخاذ المبادرة من جانب هذه السلطات.
وفى جمهورية كوريا الجنوبية، تتولى وزارة التعليم مسئولية التعليم بجميع مراحله بالتعاون مع مجالس التعليم الإقليمية، ولوزير التعليم الحق فى إصدار اللوائح والقوانين والقرارات الوزارية، والتى تجعله يراقب أعمال وإجراءات كافة مستويات الإدارة التعليمية والإشراف على بعض الأمور الإدارية، كما يمنح الموافقات والتراخيص للقيام بالتدريس، وله حق تفويض بعض اختصاصاته فى بعض إدارات التعليم على المستوى القومى.
كما أن الوزارة هى التى تعد المناهج الدراسية، وتوافق على جميع الكتب المدرسية، وهى التى تجرى الاختبارات التحصيلية للصفوف الدراسية، وتحدد الأساليب الإدارية، وتضع برامج التدريب أثناء الخدمة.
وعلى الرغم من النـزعة الشديدة فى مركزية الإدارة التعليمية، إلا أن الوزارة اتجهت فى السنوات الأخيرة نحو الميل إلى الإدارة اللامركزية للتخفيف من حدة هذه المركزية الشديدة، حيث تشير الدلائل إلى تقلص دور الإشراف التربوى أو الرقابة على التعليم فى المدارس الكورية من قبل السلطات التعليمية الأعلى مع نهايات الثمانينيات.
وفى اليابان تعتبر وزارة التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا هى السلطة المركزية المسئولة عن إدارة التعليم وتنظيمه، وهى المسئولة عن التخطيط للتعليم ولبرامجه على اختلاف مراحله، وهى التى تقدم التوجيهات والإرشادات لمختلف المناطق التعليمية، كما أن الوزارة هى التى تعد المناهج الدراسية، وتوافق على جميع الكتب المدرسية، وهى التى تقوم بإجراء الاختبارات والامتحانات على المستوى القومى بالمدارس المتوسطة، وتقديم المساعدات المادية للطلاب، وإمداد المدارس بأساليب التدريس الحديثة، وإرشاد الطلاب وتوجيههم.
وتتكون وزارة التعليم من: الوزير، ووكيل الوزارة السياسى الذى يعين من قبل الدايت (البرلمان)، والوكيل الدائم للوزارة إلى جانب اللجان والأقسام المختلفة المعاونة، والتى تختص كل منها بمهام تعليمية معينة.
وتعمل المجالس الإقليمية على النهوض بالتعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا بالأقاليم من خلال الإشراف على المؤسسات التعليمية على اختلاف مراحلها، وإصدار التوجيهات والتعليمات للمجالس المحلية، وتعيين معلمى المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية، ومنح التراخيص لمزاولة مهنة التدريس وغير ذلك، أما المجالس التعليمية فهى مسئولة عن إدارة المؤسسات التعليمية فى المنطقة ومتابعة تنفيذ الخطط والسياسات التعليمية فى المدارس التابعة لها، وتعيين المعلمين، واعتماد الكتب المدرسية اللازمة لهذه المدارس.
ومركزية الإدارة التعليمية فى اليابان ليست كتلك المركزية التى تتبناها الدول التى تأخذ بالنمط المركزى، وإنما تتبنى اليابان الأسلوب المركزى الممزوج بعناصر اللامركزية، أى أنها تعمل من خلال نظام إدارى يجمع بين مزايا النمطين المركزى واللامركزى.
ومن الدول التى تتبع اللامركزية فى إدارة التعليم، الولايات المتحدة الأمريكية، وإنجلترا، واستراليا، وكندا، ففى الولايات المتحدة الأمريكية، اتجهت السياسة التعليمية إلى استحداث مبدأ "التعليم مسئولية الولاية"، مما أتاح الفرصة لربط عملية اتخاذ القرار بصدد تنفيذ السياسة التعليمية بظروف وإمكانات كل ولاية على حدة باعتبار أن لكل ولاية سلطتها التعليمية المحلية، إلا أن الدستور الأمريكى أعطى للحكومة الفيدرالية الصلاحيات التى يمكن أن تساعد فى إحداث تغييرات فى السياسات التعليمية وفقاً للاعتبارات القومية.
وفى إنجلترا لا تسيطر الدولة على كل شئون التعليم، بل تشترك فى وضع سياسة عامة له تهتدى بها السلطات التعليمية المحلية فى إشرافها على التعليم وتحاول تكييفها بما يتفق وظروفها وحاجاتها، لذا لا تدير وزارة التربية والمهارات أى مدارس ولا تعين أى معلمين ولكن تحدد السياسة القومية للتعليم، والتأكد من التزام السلطات التعليمية المحلية بتنفيذ هذه السياسة.
وبذلك فإنه توجد فى إنجلترا شركة بين الأطراف المعنية بالتعليم، وهى وزارة التربية والمهارات والسلطات التعليمية المحلية، والمعلمين والمنظمات الأهلية التطوعية، وفى إطار هذه الشركة تقوم السلطات التعليمية المحلية والمنظمات الأهلية، بتنظيم التعليم فى المدارس التابعة لكل منها فى ضوء الخطط العريضة للسياسة التعليمية التى يقرها البرلمان الإنجليزى فى صورة قوانين، ويضطلع المعلمون بتقرير ما ينبغى أن يُدرس وكيف يُدرس.
أما فى استراليا فتقوم حكومة كل ولاية من ولايات استراليا الست بالإشراف الإدارى والفنى على شئون التعليم بها، من خلال أقسام التربية والتدريب بكل ولاية والتى تعتبر السلطة الإجرائية لتنفيذ السياسة التعليمية، كما تقوم السلطات والمجالس المحلية بالإشراف والمتابعة على المدارس المحلية، والحكومة الفيدرالية لا تؤدى دوراً يذكر فى عمليات الإشراف الفنى والإدارى على شئون التعليم باستراليا فيما عدا الإشراف على بعض المقاطعات والمناطق الريفية النائية والقوات المسلحة والتعليم العالى، إلا أن الوضع الدستورى فى أستراليا يعطى للحكومة الفيدرالية الصلاحيات التى يمكن أن تساعد فى إحداث تغييرات فى السياسات التعليمية وفقاً للاعتبارات القومية.
وفى كندا لا توجد وزارة مركزية للتعليم على المستوى القومى، حيث يعد التعليم من مسئولية حكومة كل ولاية بكندا، والتى تقوم بانتخاب وزير يشرف على إدارة التعليم وتنظيمه بها، ومن بين مهام الوزير: سن القوانين والتشريعات التى تنظم السياسة التعليمية بالولاية، والتنسيق بين الإدارات والسلطات التعليمية المحلية بالولاية لضمان تنفيذ السياسة التعليمية بها، ومتابعة تنفيذها على كافة المستويات الإقليمية والمحلية، وتحديد الميزانية اللازمة لمجالس التعليم المحلية.
كما تقوم السلطات والمجالس المحلية بولايات كندا بدور مهم فى إدارة التعليم وتنظيمه، حيث تختص هذه السلطات بالإشراف على المدارس المحلية وتعيين المعلمين وتوفير الخدمات التعليمية بصورة أفضل بداخل هذه المدارس والحكومة الفيدرالية لا تتدخل فى عملية الإشراف على شئون التعليم بالولايات إلا فى المجالات الثقافية والتعليم الفنى، حيث يوجد فى كل ولاية قوانينها وتشريعاتها الخاصة بنظامها التعليمى والتى تحدد من خلالها أهداف التعليم وسياسته بها، وتحدد السلطات المخولة لوزير التعليم بالولاية واختصاصات إدارات التعليم وأقسامها المختلفة.
والكتاب الذى بين يديك عزيزى القارئ يضم خمسة فصول هى:
- الفصل الأول: الإدارة التعليمية فى جمهورية مصر العربية
- الفصل الثانى: الإدارة التعليمية فى فرنسا.
- الفصل الثالث: الإدارة التعليمية فى اليابان.
- الفصل الرابع: الإدارة التعليمية فى إنجلترا.
- الفصل الخامس: الإدارة التعليمية فى الولايات المتحدة الأمريكية.
