مببرات الترجمة، ومقدمة المترجم
أولًا: مبررات الترجمة
يحاول الكتاب أن يضع تفسيراً بيولوجياً للطبيعة البشرية، ونشأة المجتمعات وتطورها من خلال استعراض ما يسميه المؤلف بالأسباب النهائية Ultimate Causes، وهي الأسباب العميقة والأساسية للسلوك والمستمدة من الآليات أو العمليات التي تم إنشاؤها بواسطة الانتقاء الطبيعي أو الجنسي لتعزيز البقاء والنجاح الإنجابي، والأسباب القريبة Proximate Causes، وهي الأسباب الأكثر مباشرة والعاجلة للسلوك أو السمات البيولوجية. بمعنى آخر يحاول المؤلف إعادة إحياء لنظرية التطور الداروينية، في مقابل نموذج العلوم الاجتماعية القياسي Standard Social Science Model (SSSM)، وهو وجهة النظر السائدة إلى يومنا هذا في العلوم الاجتماعية التي ترى بأن السلوك البشري والحياة الاجتماعية المنظمة كلها أو على الأقل في جزء منها نتاج البيئات الاجتماعية والثقافية للناس.
هذا الطرح الجديد الذي أسميه بالتفسير البيولوجي يتوقع وجود طبيعة بشرية أو إنسانية عالمية تلعب دورًا رئيسًا في السلوك والمجتمعات.
وكانت دوافعي لترجمة هذا الكتاب هو محاولة حسم الجدل الذي أثارته نظرية التطور، الأمر الذي جعلني أبحث في هذه المسألة من خلال التقديم الذي قدمته للكتاب، وقد استعرضت الأفكار التطورية من بدايتها في العصر اليوناني القديم، ومروراً بالعصر الإسلامي، وعصر النهضة الأوربية الحديث، وحتى وقتنا المعاصر، كما حاولت أن أدرس رؤية القرآن الكريم للتطور.
والمختصر في هذا الأمر أن التطور عملية أساسية يقوم عليها الكون مثلها مثل النسبية، والجاذبية، وأن هناك رؤيتين للتطور: الأولى تنسب لـ"دارون" البريطاني، والثانية تنسب لـ"لامارك" الفرنسي، وقد تشابهت الرؤية الأخيرة "التطور اللاماركي" مع رؤية القرآن الكريم للتطور، وأصل الوجود.
ومن واقع تخصصي في علم النفس الاجتماعي أرى أن هذا الكتاب يطرح رؤى جديدة جديرة بالنشر، وأنه يتناول تخصصات كثيرة مثل البيولوجيا، وعلم النفس التطوري، والبيولوجيا الاجتماعية أو علم الاجتماع البيولوجي، والأنثروبولوجيا، وعلم الجينات، وغيرها.
ولعل ما أثارني أيضاً لترجمة الكتاب هو التساؤل الرئيس الذي يطرحه المؤلف ويحاول الإجابة عليه وهو هل بإمكان النظرية التطورية Evolutionary theory إلقاء أي ضوء على السؤال الدائم عن معنى الوجود الإنساني؟. وفيما يلي عينة من مواضيع محددة ، يستكشفها الكتاب:
- أصول اللغة
- لماذا اخترع الإنسان الزراعة؟
- التبادل الاقتصادي والرأسمالية
- الأذواق الفطرية
- أياً من بني البشر يشرب اللبن ولماذا؟
- لماذا بعض الرجال لديهم العديد من الزوجات؟
- لماذا بعض النساء لديهن العديد من الأزواج؟
- أين يوجد تحريم سفاح المحارم؟
- لماذا يبحث الرجال والنساء عن صفات مختلفة في شريك الحياة؟
- لماذا بعض الناس مثليون والبعض الآخر أسوياء؟
- هل كانت هناك غريزة أمومية أم لا؟
- لماذا تحدث عملية وأد الأطفال أو قتلهم؟
- بيولوجيا النوع
- لماذا توجد حالة السعي نحو المكانة أو السلطة وأحياناً الاندفاع إليها حتى السعار؟
- لماذا يرغب الناس في القوة؟
- لماذا يقتل الناس أحياناً بعضهم البعض ولماذا يكون غالبيتهم من الرجال؟
- لماذا تنتشر الحروب؟
- هل هناك أعراق بيولوجية؟
- هل العنصرية حديثة أم قديمة؟
- لماذا تتصارع الجماعات العرقية بشكلٍ مستمر؟
- لماذا الناس متدينون؟
- لماذا يكون في بعض الديانات آلهة متعددة وفي الأخرى إله واحد فقط؟
- لماذا يوجد الإلحاد؟
- لماذا يحب الناس الأدب، والموسيقى، والقصص؟
- لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء، ولماذا البشر هم جزء من هذا الشيء؟
بعض الذين لديهم توجه نقدي يقولون بأن المناقشات التطورية تكون في الغالب "مجرد قصص" أو تفسيرات مجملة أو مصطنعة، ومثيرة، ومشوقة لكنها غير مدعومة بأدلة حقيقية. لكن في هذا الكتاب حرص المؤلف على تقديم أهم الأدلة على وجود التطور.
ثانيًا: مقدمة المترجم
شاء القدر أن تقع عيني على هذا الكتاب المثير للاهتمام بينما أقوم بعمل مراجعة للمؤلفات والإصدارات الجديدة التي تصدر من دور النشر العالمية ووجدت أن كتاب "الطبيعة الإنسانية وتطور المجتمع" يحاول أن يضع تفسيراً بيولوجياً للطبيعة الإنسانية وتطور المجتمعات من خلال النظرية العامة للحياة التي صاغها "تشارلز داروين" Charles Darwin في منتصف القرن التاسع عشر، وصاغ أفكارها في كتابه الشهير "أصل الأنواع" عام 1859م ولا يخفى على أحد حالة الجدل التي أحدثتها نظرية "دارون"، السبب الرئيس في هذا الجدل أنها ادعت بأن هذا الوجود العضوي بما يحتويه من كائنات له أصل طبيعي، بما فيها الإنسان الذي تطور من هذا الأصل الطبيعي.
خالفت رؤية "دارون" والتطوريون السابقون له واللاحقون التفكير المستقر والثابت عن نشأة الوجود لعصور طويلة. كان مستقراً لدى الجميع أنه تم خلق الكائنات الحية من خلال أوامر إلهية، ومؤخراً جاء البشر (من زوج واحد فقط)، وبعد ذلك بوقت قصير تم القضاء على كل شيء تقريبًا بواسطة فيضان نوح عليه السلام.
المصدر الرئيس لهذا التفكير خرج من سفر التكوين وعندما جاء الدين المسيحي تم تعزيز هذه الرؤية وقرر الدين الجديد أن يأخذ في الاعتبار ما سماه "توماس كارلايل" Thomas Carlyle "الملابس اليهودية القديمة". لم يكن واضحًا بأي حال من الأحوال لأعضاء الكنيسة الأوائل لماذا اضطروا إلى تبني العهد القديم باعتباره قانوناً كنسياً. ومع ذلك، وتحت تأثير القديس "أوغسطين" Saint Augustine (حوالي 400 م)، أدرك الغالبية أن فهم الدراما المسيحية يتطلب خلفية التاريخ اليهودي، وبالتالي أصبحت الفصول الأولى من سفر التكوين أساسًا متكاملاً للدين المسيحي (أنظر، Ruse, M. 2013 Encyclopedia of Darwin and Evolutionary Thought, Cambridge University Press).
واندمجت الفلسفة اليونانية إلى حدٍ كبير مع الدين اليهودي واستمر هذا الاندماج السعيد بينهما لأكثر من 1400 عام. عملت عوامل مختلفة على خنق هذه الرؤية في الفترة الزمنية من القرن السابع عشر إلى القرن الثامن عشر وكان أول هذه العوامل صعود العلم على سبيل المثال، في العلوم الفيزيائية نشأت نظريات بإمكانها تفسير الأصول بشكل طبيعي، وفي علوم الأرض لا يمكن تخيل كياناً معقدًا جدًا مثل الوجود أن يكون صغيرًا كما كان يشتبه في السابق. وهناك العامل الأكثر أهمية اكتشاف الخلية وتطور علم الوراثة، وأنظمة السونار والمجاهير المتقدمة.
وبحلول منتصف القرن التاسع عشر عندما نشر "دارون" كتابه كانت أفكاره بالفعل تم تثبيتها لمدة عقد من الزمن، ولم يكن هناك صدمة للتطور حينئذٍ. كانت الصدمة أكثر الآن إذ يجب على الجميع قبولها، أو على الأقل أخذها على محمل الجد، نظرًا لوضع داروين بوصفه عالم محترف للغاية. وحتى لو اختفى العنصر الأثري، فإن سلطة جديدة على العلم أصبحت الآن على يقين من أن التطور كان فكرة يجب على الجميع الاعتراف بها حتى لو لم يقبلوها.
وبين الرؤية الثابتة من سفر التكوين وقبول المسيحية بها، ونظرية "دارون" نشأ صراعاً بين الفلسفة والدين. الأمر الذي جعل القديس "أوغسطين" يصرح بأنه إذا تعارض العلم مع الكتاب المقدس، فقد يكون من الضروري تفسير الكتاب بشكل مجازي. كان القلق الكبير إذن هو الصدام بين التقدم والعناية الإلهية التي تعني أننا خطاة ولا يمكننا أن نفعل شيئًا إلا من خلال نعمة فداء تضحية يسوع عليه السلام. يتحدى التقدم وجهة النظر هذه، مجادلاً بأننا نحن البشر يمكننا بالفعل تحسين الأمور دون مساعدة. في نظر العديد من المسيحيين هذا غطرسة وكبرياء غير مبررين.
وقد تخلل هذا الصراع بين الفلسفة والدين محاولات كثيرة حاولت تفسير نشأة العالم من منظور تطوري سوف نستعرضها بعجالة قبل أن أعرض لموقف القرآن الكريم من التطور ومبرراتي للقبول بالتطور واعتماده بمنظور جديد "تطور معدل" لا يوجد في ثناياه أي تعارض فيه بين العلم والدين.
من أقدم المحاولات التي طرحت حول التطور جاءت من الفلسفة اليونانية وكانت لـ"طاليس" Thales (حوالي 600 قبل الميلاد)، اعتقد "طاليس" أن المادة التي ولد منها كل شيء هي المياه. ولهذا الرأي أسبابًا متعددة ويعتبر الكثير منها تجريبيًا. لكن هذا الاعتقاد واجه صعوبة في تفسير كيف يمكن أن يأتي كل شيء من الماء، في الوقت الذي يبدوا أن بعض العناصر النار، على سبيل المثال، يتم التخلص منها بواسطة الماء. وسعى خليفته "أنيكسماندر" Anaximander (حوالي 610- 546 قبل الميلاد)، إلى الإبحار في هذه المشكلة بجعل الركيزة الأساسية في مادة مختلفة غير محددة ولانهائية أطلق عليها "الأبيرون" Apeiron، وهذا يعني، أن الوجود خرج من هذه المادة. وأكد "أناكسيمينز" Anaximenes (585- 528 قبل الميلاد) أن الهواء هو المرشح الأفضل. الهواء هو شيء يمكن ملاحظته في شكل التنفس والرياح، أو هكذا كان يعتقد، ومتوافق مع كل من النار والماء. ويبدو أن "أناكسيمينز" كان لديه حدس "غاليليو" Galileo - وهو أنه يجب تفسير النوعي بالكمي – حيث اشتعال النار قد يكون نتيجة انخفاض في كثافة الهواء، في حين أن الماء، ومن بعده الأرض كانا نتيجة لتزايد في كثافة جزيئات الهواء. (أنظر، Ruse, M. 2013 Encyclopedia of Darwin and Evolutionary Thought, Cambridge University Press)
وفي العصر الإسلامي قدمت إجابات كثيرة عن بداية الوجود من قبل "إخوان الصفا"، و"أحمد ابن مسكويه" و"ابن خلدون"، حتى الجاحظ تحدث عن التطور، وأسموا العلم الذي يعني بالتطور علم المواليد الذي عرف فيما بعد بالتاريخ الطبيعي، ولأنه لم يظهر في هذه الفترة التخصصات الدقيقة جاء الحديث متفرقاً إلا أن في رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا حديث مطول يخص التطور، قسمت رسائلهم حسب الموضوعات التي تم مناقشتها إلى: الرياضية التعليمية، والجسمانية الطبيعية، والنفسانية العقلية، والناموسية؛ والشرعية، والإلهية.
تحدث إخوان الصفا في رسالتهم الثالثة "النجوم" عن تركيب الأفلاك، وصفة البروج، وسير الأفلاك، والكون والعدمية وعرفوا الكون بأنه وجود الجوهر من العدم كأن نقول مثلاً وجود مصطفى بعد أن لم يكن موجوداً. والعدم أو ما أطلقوا عليه الفساد بأنه عدم الجوهر من الوجود مثل موت مصطفى بعد أن كان حياً. وتحدثوا أيضاً عن السماء والعالم مثل كيفية طبقات السماوات، وكيفية تركيب الأفلاك، وما هو العرش العظيم، وما هو الكرسي الواسع. والغرض منها هو البيان عن كيفية تحريك الأفلاك، وتسيير الكواكب، وأن المحرك لها كلها هو الروح القدس والنفس الكلية الفلكية، الموكلة بها بإذن.
وتحدثوا في الرسالة الخامسة عن "كيفية تكوين المعادن، وكميتها، وأسباب اختلافها، وتكونها في باطن الأرض" وأوضحوا أن الهدف هو بيان أن المعادن أول تأثيرات الطبيعة التي هي دون القمر وقوة من قوى النفس الكلية الفلكية من صنع الله، الموجد للكل، ومنها تبتدئ الأنفس الجزئية بها إلى الترقي من أسفل سافلين من مركز الأرض إلى أعلى عليين. وهذا أول طريق تجوز عليه الأنفس الجزئية، ثم النبات بواسطة الكون والنمو، ثم الحيوان بواسطة الكون والنمو والحس، ثم الإنسان بواسطة الكون والنمو والحس والعقل، ثم التجرد والدخول في زمرة الملائكة في أعلى رتبة.
وجاء حديثهم في الرسالة السابعة عن "أجناس النبات "وأنواعها وكيفية سريان قوى النفس النامية فيها. وكان الهدف منها تعديد أجناس النبات، وبيان كيفية تكوينها ونشوئها، واختلاف أنواعها في الشكل، واللون، والطعم، والرائحة، وفي أوراقها، وأزهارها، وثمارها، وحبوبها، وصموغها، ولحائها، وقشر الجزع، والساق، والفروع، وأصولها وغير ذلك من المنافع؛ وأهم ما جاء في هذه الرسالة تصريحهم بأن أول مرتبة للنبات متصلة بآخر مرتبة للمعادن، وآخر مرتبة له متصلة بأول مرتبة للحيوان.
وكانت الرسالة الثامنة عن "أصناف الحيوان" أجناس الحيوانات، وكمية أنواعها، واختلاف صورها، وطبائعها، وأخلاقها، وكيفية تكوينها، ونتاجها، وتوالدها، وتربيتها لأولادها، وأن أول مرتبة للحيوان متصلة بآخر مرتبة للنبات، وآخر مرتبة للحيوان متصلة بأول مرتبة للإنسانية، وآخر مرتبة للإنسانية متصلة بأول مرتبة للملائكة. وأن نفوس بعض الحيوانات ملائكة ساجدة لنفس الإنسان خليفة الله في أرضه، ونفوس بعضها راكعة له؛ ونفوس بعض الحيوانات شياطين عصاه مغلغلة في جهنم عالم الكون والعدم والفساد، وأن الإنسان إذا كان خيّراً عاقلاً كان ملكاً كريماً، وإذا كان شرّيراً فهو شيطاناً رجيماً.
وفي رسالتهم العاشرة عن "كيفية نضد العالم بأسره" تحدثوا عن مراتب الموجودات، ونظام الكائنات، وأن آخرها منعطف على أولها من أعلى الكون المحيط إلى منتهى مركز الأرض؛ وأنها كلها عالم واحد كمدينة واحدة، وكحيوان واحد، وكإنسان واحد. والغرض منها هو الوقوف على معرفة الحقائق ومبادئها وتواليها وسوابقها ولواحقها، علماً وبياناً كافياً، بلا شك ولا شبهة، وأن مبدأها كلها صادر عن فعل الله عز وجل وحده الخالق المبدع.
ونظروا إلى الإنسان في رسالتهم الثانية عشرة بوصفه "عالم صغير" وأن بنيته تشبه تماماً العالم المادي الكبير، وأن أحوال نفسه وسريان قواها في بنيته وحقيقة جوهره مماثلة لأحوال الخلائق الروحانيين من الملائكة والجن والشياطين، وأرواح الحيوانات أيضاً؛ فالإنسان صورة مصغرة .من العالمين المادي، والروحي. وجاء في حديثهم الإخبار عن حال الأنفس البسيطة قبل تشخيصها واتصالها بالأجسام الجزئية والأشخاص الحسية، وسبب اتصالها زمناً، وحال مفارقتها عند بلوغ نهايتها؛ وكيف يعرف الإنسان هويته وحقيقة ذاته، وأنه مجموعُ فيه معاني الموجودات كلها، فهو كالكل، ومحيط بالجميع، ويتأمل الصواب والفرصة مدة حياته، فيقصده؛ أي يقصد الجواب؛ ويقتنيه ويحتويه، إذ لذلك أنشأه ربه الذي يبديه، ويعيده، ويبليه، ويهديه لينجيه فيفوز بالبقاء والنعيم المقيم. (أنظر، رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا).
وجاء في كتاب "المقدمة" لـ "ابن خلدون" حديث معتبر عن الوجود بما يحتويه من مخلوقات وتدرجها وتطورها وربط الأسباب بالمسببات، وبدء حديثه بالعالم الطبيعي المحسوس كيف تدرج من الأرض إلى الماء ثم إلى الهواء ثم إلى النار وهكذا صاعداً إلى أن ينتهي بعالم الأفلاك وكلها متصلة بعضها ببعض. ورأى أن الوجود بدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدرج. آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش ومالا بذر له وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف ولم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها متصل بأول أفق الذي بعده، وذكر أن عالم الحيوان اتسع وتعددت أنواعه وانتهى في تدرج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر والروية، وأن العوالم على اختلافها تمتلك آثاراً متنوعة من بعضها البعض على سبيل المثال، في عالم الحس آثار من حركة الأفلاك، وفي عالم التكوين آثار من حركة النمو والإدراك. فضلاً عن حديثه عن تطور البلدان والأقاليم، وتأثيرها على ألوان البشر والكثير من أحوالهم (انظر، كتاب المقدمة لابن خلدون).
واستدل "ابن مسكويه" بحركة الأجسام في كتابه "الفوز الأصغر" على تطور الكون وأن له خالق مدبر؛ فكل شيء يتحرك في الوجود يتحرك إلى تمامه، وحركة الأجسام الطبيعية المطلقة ست حركات: حركة الكون، وحركة العدم أو الفساد، والنمو، والنقصان، والاستحالة، والحركة في الجسم معناها التبدل من حال إلى حال وهذا إما أن يكون بمكانه أو بكيفيته، أو بجوهره وكلها ثلاثة أوجه للتطور. أما المتبدل بالمكان فإنه إما أن يكون بكله أو بجزئه فإن كان بكله كانت حركته مستقيمة، وإن كان بجزئه كانت حركته مستديرة، ويمكن للمستدير أن يتحرك أيضاً من محيطه إلى مركزه أو العكس فإن تحرك من مركزه إلى محيطه كانت حركته نمواً وإن تحرك من محيطه إلى مركزه كانت حركته ذبولاً. وأما المتبدل بالكيفية لا يخلوا أن يحفظ جوهره أو أنه لا يحفظ فإن حفظ جوهره كانت حركته استحالة وإن لم يحفظ جوهره كانت حركته عدماً أو فساداً وهذه الحركة الأخيرة إذا نظر إليها بقياسها إلى الجوهر الثاني والمقصود هنا ما استحال إليه سمي كوناً. ويبرهن "ابن مسكويه" أن لكل متحرك محرك سواه فلكل أثر لا بد له من مؤثر لا يقبل أثراً من غيره بل هو مؤثر فقط؛ فالوجود إذن ذاتي للمبدع الأول لأنه لم يقبله من غيره ومنه فاض على سائر الأشياء التي دونه وبه قوام صور الموجودات، ولابد أن يكون هذا المبدع واحد.
ويجمل "ابن مسكويه" مراتب الوجود التي نشأت من قبل الواحد وهي من وجهة نظره متصلة بعضها ببعض اتصل آخر كل نوع بأول النوع الآخر وأن الكل واحد أخذٌ من مركز الأرض إلى أن ينتهي إلى السطح الأقصى من الفلك وأنه حيوان واحد وأجزاء مختلفة كالسلك الواحد الذي ينظم خرزاً كثيراً على تأليف صحيح حتى جاء من الجميع عقد واحد. وقسم هذه الأجزاء إلى جزئيين عالم الكون والعدم والفساد، وعالم اللاكون واللا فساد. ويذكر أن أول أثر ظهر في الوجود في عالمنا أثر حركة النفس في النبات الذي تميز عن الجماد بالحركة والاغتذاء.
وقسم "ابن مسكويه" النبات إلى ثلاث أنواع الأول والأوسط والآخر، وبين كل نوع وآخر أصناف كثيرة، وأول نوع من النبات خرج من الأرض لم يحتج إلى بذور ولم يحفظ نوعه ببذر كأنواع الحشائش وهو أشبه بالجماد الفرق بينهما هذا القدر اليسير من الحركة الضعيفة في قبول أثر النفس، ولا يزال هذا الأثر يقوى في نبات آخر يليه في الترتيب إلى أن يصير له من القوة في الحركة ما يجعله يتفرع ويتشعب ويحفظ نوعه بالبذور ولا يزال هذا الأثر يزداد شيئاً بعد شيء إلى أن يصبح شجراً له ساق وورق وثمر يحفظ به نوعه وهذا هو النوع الأوسط من النبات. أشجار كريمة تحتاج إلى عناية من استطابة التربة واستعذاب الماء والهواء المطلوب لصيانة ثمرها الذي تحفظ به نوعها كأشجار الزيتون والرمان والتفاح وأشباهها، وهذا النوع متصل بما قبله، وهو ثقيل الحركة بطيء النشوء يتدرج إلى أن يصل إلى النوع الأخير من النبات الأعلى والأسمى مثل الكرم والنخيل. لهذا النوع صورة النبات لكنه ارتقى إلى أن حصل فيه نسبة قوية من الحيوان وأصبح شبيهاً له في أن الذكر منها متميز عن الأنثى وأنه يحتاج إلى التلقيح ليتم حمله.
وهذا النوع الأخير من النبات يتصل بأول رتبة من رتب الحيوان. وهي رتبة ضعيفة لضعف أثر الحس فيها إذ يقتصر الحس فيها على حاسة اللمس فقط كالصدف وأنواع الحلزون. ثم تتطور هذه الرتبة وترتقي إلى رتبة أعلى منها تتمايز عن الأولى بالقدرة على الحركة كالديدان والفراش والدبيب، والأخيرة ترتقي إلى أن يصير منها الحيوان الذي له أربعة حواس كالخلد وما شابهه من مخلوقات. ثم ترتقي من ذلك رتبة تتميز بحاسة ضعيفة البصر كالنمل وأشباهه، وتلك الأخيرة تستمر في الترقي إلى أن تقترب من آخر رتبة للحيوان التي هي أدنى من رتبة الإنسان كالقرود وأشباهها من الحيوان التي قاربت الإنسان في خلقة الإنسانية وليس بينها وبينه إلا اليسير الذي إن تجاوزه صار إنساناً. فإذا بلغه انتصبت قامته ويظهر فيه من قوة تمييز الشيء اليسير ويقوى فيه أثر النفس ويقبل التأديب بالفهم والتمييز.
وهذه الرتبة الحيوانية وإن كانت أرقى من دونها من رتب البهائم فهي أدنى من الإنسان كامل النطق، الذي إن بلغ مرحلة من النضج الفكري والتمرس والحكم على الأمور الكائنة والإخبار بالأحوال المستقبلة حتى يقال فلان ألمعي وفلان محدس وكأنما ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق يصل إلى أفق الملائكة (انظر، كتاب الفوز الأصغر لأحمد بن مسكويه).
ويقسم "الجاحظ" في كتابه الحيوان الوجود إلى قسمين جماد ونامٍ، والعالم بما فيه من الأجسام على ثلاثة أنحاء: متفق، ومختلف، ومتضاد، ثم يقسم النامي إلى قسمين الحيوان والنبات، ويستطرد في تقسيم الحيوان وكذا النبات، وما يعجز عنه الإنسان ويقدر عليه الحيوان، وتمكين الإنسان بالعقل والاستطاعة والتصريف والتجربة وقدرته على التأني والمنافسة، والفهم والمسابقة، والتبصر إلى شأن العاقبة، وتحدث عن التلاقح والنتاج المركب بين الكائنات حتى أنه تحدث عن تلاقح الجن والإنس حيث زعم بعض الناس أن التناكح والتلاقح قد يحدث أيضاً بين الجن والإنس واستدلوا بقوله تعالى "وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا" (الإسراء: آية 64)، وقوله تعالى "فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ" (الرحمن: آية 56). فلو كان الجان لا يفتض الآدميات، ولم يكن ذلك قط، وليس ذلك في تركيبه لما قال الله تعالى ذلك. وسمى الإنسان بالعالم الأصغر الذي يشبه العالم الأكبر والمقصود به السموات والأرض (انظر كتاب الحيوان لابن خلدون).
وفي عصر التنوير بدأ الحديث عن التطور بشكل سريع ومتواتر حتى قيل أن التطور هو طفل عصر التنوير. تساءل "دنيس ديدرو" Denis Diderot الذي يصفه الكثيرون بالموسوعة الفرنسية... في ممالك الحيوانات والخضروات، يبدأ الفرد، إذا جاز التعبير، ينمو، ويعيش، ويتحلل ويموت، ألا يمكن أن يكون الشيء نفسه مع الأنواع كلها؟
وفي نهاية القرن الثامن عشر، كانت شخصية التنوير الكاملة، حريصة على الصناعة والطب والعلوم -ناهيك عن الثورات السياسية (أولاً في أمريكا ثم بعد ذلك إلى أن خرجت الأمور عن السيطرة، في فرنسا)، كان الطبيب والجد المستقبلي لـ"تشارلز داروين"، "إيراسموس داروين" Erasmus Darwin مهتماً بموضوع التغيير العضوي Organic Change كتب يقول وُلدت الحياة العضوية تحت الأمواج الساحلية، وتمرضت في كهوف المحيط اللؤلؤية؛ الأشكال الأولى دقيقة، غير مرئية بزجاج كروي، تحركت على الطين أو اخترقت الكتلة المائية؛ هذا، ومع ازدهار الأجيال المتتالية، تكتسب قوى جديدة، وتفترض أطرافاً أكبر؛ من حيث عدد لا يحصى من النباتات الربيعية، وتنفس عوالم الزعانف والقدمين والجناح. وهكذا، البلوط الطويل، عملاق الخشب، الذي يحمل رعد بريطانيا في الفيضان؛ والحوت، الوحش الرئيس الذي يصعب قياسه، والأسد اللورد، ملك السهول، والنسر يحلق في عوالم الهواء، الذي تشرب عينه الوهج الشمسي، والرجل الطموح، الذي يحكم الحشد الهمجي، بسبب اللغة، والعقل، والتأمل المستبطن، والمنتصب الجبين الذي يحتقر هذا الحمير الترابي، وخليفةً في الأرض لإلهه؛ نشأت من بدايات الشكل والإحساس، نقطة جنينية، أو مجهرية.
وبالعودة إلى فرنسا والدخول إلى القرن التاسع عشر، تمامًا مع اقتراب كتابات "إيراسموس داروين" من نهايتها، تم التقاط الشعلة من قبل أشهر علماء التطور قبل "تشارلز داروين" وهو "لامارك" Lamarck الذي اشتهر بتصنيفه لأحافير اللافقاريات البحرية. وفي عمله الرئيس، فلسفة علم الحيوان (الذي نشر عام 1809، العام نفسه الذي ولد فيه تشارلز داروين)، قدم "لامارك" نظريته التطورية التي وضحها بشجرة الحياة - جذع أولي ثم أشكال مختلفة متفرعة. واشتهر "لامارك" أيضاً بالآلية التي تحمل اسمه إلى اليوم، وراثة الخصائص المكتسبة. على سبيل المثال، تزداد أذرع الحداد من خلال العمل بالحدادة، ويولد أطفال الحداد بأذرع أقوى. وتمد الزرافة رقبتها للوصول إلى الفروع، ويولد نسلها برقاب طوال.
وهناك علماء كبار من أمثال، الفيلسوف الألماني الكبير "إيمانويل كانط" Immanuel Kant الذي اعتقد أن التماثل بين أجزاء الكائنات الحية المختلفة يشير إلى طريق التطور، وذهب إلى أن التشبيه بين الأشكال والأنواع، التي يظهر أنها يتم إنتاجها مع جميع اختلافاتها وفقًا لنوع شائع، يقوي الشك في أن لديها قرابة فعلية بسبب النسب من أحد الوالدين العاديين. وتأثر الفرنسي "جورج كوفييه" Georges Cuvier، عالم التشريح المقارن الكبير في بداية القرن التاسع عشر، بـ"كانط"، وليس أقله في مبدأ فهمه الذي اعتقد أنه يحكم كل التفكير في العلوم البيولوجية؛ فبالنسبة لـ"كوفييه"، مثل "كانط"، جعل كل هذا التطور من النسب مستحيلاً، على الرغم من أنه أول من بدأ في رؤية السجل الأحفوري بطريقة تقدمية تقريبًا، ولكن بالنسبة له كانت الفجوة بين الأشكال نهائية - كما كانت حقيقة أن الأشكال المحنطة (للقطط والطيور وما شابه) تعود من مصر (بفضل رحلات نابليون إلى إفريقيا) كانت بالضبط نفس الأنواع الموجودة اليوم. سنوات عديدة ، والقليل من التغيير. ومن بعدهم "هيجل" Hegel الفيلسوف الألماني الشهير الذي أكد على أنه يجب النظر إلى الطبيعة كنظام من المراحل، ينشأ أحدها بالضرورة من الآخر ويكون حقيقة تقريبية للمرحلة التي تنتج عنها: ولكن لا يتم إنشاؤها بشكل طبيعي من الأخرى ولكن فقط في الفكرة الداخلية التي تشكل الأساس من الطبيعة.
وآخرون، مثل عالم الأحياء "لورينز أوكن" Lorenz Oken وربما الشاعر "جوته" Goethe بنهاية حياته الطويلة (1832)، كانت رؤيتهم تتشابه مع رؤية "هيجل" ويرون هذا على أنه المسار الفعلي للتاريخ. وأيد البيولوجي الكبير "إتيان جوفروي سانت هيلير" Etienne Geoffroy Saint-Hilaire صديق "كوفيير" الذي أصبح منافساً له بعد ذلك شكلاً من أشكال التطور اللاماركي ممتزجاً بفكرة النماذج الأولية التي تم تصميم مجموعات الكائنات الحية عليها بدءًا من أذن الثدييات و سرعان ما قام "جوفروي" بتعميمه على عظام أخرى في جسم الفقاريات.
لقد أقر أعلام الفكر الألماني التطور من غير النسب الواحد واعترفوا به صراحة بما في ذلك "غوته" والفيلسوف "فريدريش شيلينغ" Friedrich Schelling وكان العمود الفقري للتطور من وجهة نظرهم الارتقاء من البسيط إلى المعقد أو من المتجانس إلى غير المتجانس، واتفق مع هذا الفكر "سبنسر" Spencer أحد أهم التطوريين الأمريكيين في القرن العشرين، وأكد على أن قانون التقدم العضوي Law of Organic Progress هذا هو قانون كل تقدم. سواء كان ذلك في تطور الأرض، أو في تطور الحياة على سطحها، أو في تطور المجتمع، والحكومة، والصناعات، والتجارة، واللغة، والأدب، والعلوم، والفن، هذا التطور نفسه من البسيط إلى المعقد، من خلال المتمايزات المتتالية، يثبت طوال الوقت. وأعجب "سبنسر" كثيراً بحسابات القس "توماس روبرت مالتوس" Thomas Robert Malthus التي وصفت بالمتشائمة بأن أعداد السكان تفوق الإمدادات الغذائية وبالتالي تؤدي إلى صراع لا مفر منه من أجل البقاء. وجادل "سبنسر بأنه، كلما صعدت في مقياس التطور وارتفع الذكاء، انخفضت القدرات الإنجابية.
وقد عبرت هذه الأفكار التقدمية إلى بريطانيا بمجرد الانتهاء من الحروب النابليونية وبدأت تجد لها دعمًا وتعبيرًا متجددين. وكان عالم التشريح الأسكتلندي "روبرت غرانت" Robert Grant هو الشخص الذي استوعب هذه الأفكار، وكان من بين أولئك طالب الطب بجامعة أدنبرة الشاب "تشارلز داروين" (الذي يبدو أنه قد قرأ بالفعل بعض أعمال جده) في عشرينيات القرن التاسع عشر. وعالم التشريح الإنجليزي "ريتشارد أوين" Richard Owen، الذي كان حتى أربعينيات القرن التاسع عشر أهم عالم أحياء في البلاد، وكان تطوريًا مثاليًا أعجب بالتفكير الألماني في التطور ورفض فكرة الأصل، وكان مبرره أنها معادية لأقوال الإنجيل والمسيح.
وظهرت الرؤية الرئيسة التي أدت إلى اكتشاف آلية الانتقاء الطبيعي، التكاثر التفاضلي المنهجي Systematic Differential Reproduction للكائنات الحية الناتج عن الإمدادات المحدودة من الغذاء والمساحة، في هذا التوقيت في أواخر سبتمبر 1838. عندها قرأ داروين مقالًا حول مبدأ السكان (1826) الذي أشار فيه القس "توماس روبرت مالتوس"، إلى أن الضغوط السكانية في البشر تؤدي إلى صراعات لا مفر منها من أجل البقاء. وقد عممه "داروين" على جميع الأنواع. وفي الوقت نفسه ظهر مزيجًا مثيرًا للاهتمام من الفهم الفردي للفيزياء، وتلميحات حفرية للهواة، وتأملات من الحديث عن علم الأجنة، وافتراضات تأملية عن فرضية الطبيعة الاجتماعية السياسية، وأكثر من ذلك بكثير. حيث يبقى الجنين النامي بين الحين والآخر لفترة أطول قليلاً في الرحم وبالتالي يصبح نوعًا جديدًا. ومن المعروف الآن أنها كتبت من قبل الناشر الاسكتلندي "روبرت تشامبرز" Robert Chambers.
ويدرك العلماء الآن مدى تأثير فكر "سبنسر"، لا سيما مع أنصار التطور الأمريكيين في القرن العشرين، ولكن إذا نظرنا إليه أولاً في وضح النهار، فإنه يبدو غريباً للغاية. في شكله الكامل، يبدو أنه ينطوي على نوع من الاستقرار، تم تعطيله أحيانًا من قبل القوى الخارجية، والذي يسعى بعد ذلك إلى تحقيق الاستقرار على مستوى أعلى. هذه الرؤية لـ "التوازن الديناميكي"، كما يطلق عليها، هي جزء ميتافيزيقي، وجزء قائم على قراءة انتقائية للفيزياء المعاصرة آنذاك، وجزئاً من الفهم نصف الناضج للتشكيل والفلسفة الألمانية. إنها غير داروينية تمامًا، وبقدر ما هناك أسباب مادية (على عكس المصير الميتافيزيقي)، فهي لاماركية بقوة "وراثة الخصائص المكتسبة". في هذا "سبنسر" كان في وقت واحد مع معظم أنصار التطور ما قبل الداروينية، الذين يبدو أنهم وضعوا عبء التغيير بشكل عام على النبضات الميتافيزيقية التي تصل إلى أعلى من الأسباب المادية الحقيقية. (أنظر، Ruse, 2013).
وعندما نزل القرآن على رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم نزلت آيات كثيرة تحدثت عن الوجود وأخرى تحدثت عن الفناء، بحيث نستطيع أن نتحدث عن عالمان متناقضان ومتلازمان عالم العدم أو الفناء، وعالم الوجود أو البقاء، والعالمان على طرفي نقيض فإذا كان هناك فناء، لم يكن البقاء والعكس صواب، والزمان والمكان هما المفسران لحالة العدم والوجود، وأنهما تحت عناية القدرة الإلهية انظر قوله تعالى "يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (الأنبياء: آية 104).
ولكي نفهم التطور كما جاء في القرآن الكريم نقول أنه كان الله الخالق "اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ" (الزمر: آية 62) خلق عرشه، وخلق السموات والأرض "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ" (هود: آية 7)، وكانت السموات والأرض على هيئة كتلة واحدة "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ" (الأنبياء: 30)، وكان خلق الأرض في يومين، والسموات في يومين، "قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" (فصلت: آية 9- 12)، وعمر الأرض الآن حوالي 4.54 مليار بتقدير العلماء من قياسات الإشعاع والرصاص في اليورانيوم وإذا ما أردنا معرفة عمر الكون كله نضاعف هذا العدد ثلاث مرات فيكون الناتج 13.62 مليار عام.
وبعد أن سوى الله السموات والأرض على هيئتهما خلق الله الأنواع من الماء والطين "وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ ۖ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (النور: آية 45)، "وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا" (نوح: آية 17)، "وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" (الأنعام: آية 99)؛ فمن الماء والطين خرجت أول صورة للأنواع أو الكائنات النبات خضراً ثم عدد غير متناهي من النبات، فماذا عن الحيوان والإنسان؟ وهل يجمعهما أصل مشترك؟ يقول الله سبحانه وتعالى في خلقه للإنسان "وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا" (نوح: آية 14)، "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ" (المؤمنون: آية 12)، "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ" (السجدة: آية 7)، "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ" (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16) وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ" (المؤمنون: الآيات من 12- 17). عن خلقه للحيوان "وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ ۖ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (النور: آية 45). خلق الإنسان والحيوان كان كهيئة النبات خلقا من ماء وطين. الأصل واحد فكيف يكون ذلك؟ الإجابة تكمن في التطور وهذا ما توضحه الآيات التالية صراحة: "فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا ۚ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ" (الصافات: آية 11)، "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ" (الحجر: آية 26)، و"خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ" (الرحمن: آية 14) ومعنى الطين اللازب الطين الممتزج بالماء والصلصال مرحلة أخرى من تحول الطين الممتزج بالماء إلى طين يابس منتن الرائحة، ثم يرقق كأنه فخار، والذي يشاهد صناعة الفخار يدرك أن كل ما سبق مراحل لتهيئة الطين لهذه الصناعة.
إذن الأصل المشترك بين جميع الأنواع هو هذا الطين الممتزج بالماء الذي تحول حتى صار كالفخار ومنه خلق الله الأنواع وأولها كان النبات، وخرج النبات من الوحدة الأولى (الخلية) التي تتشابه في جميع الأنواع النبات، والحيوان، والإنسان، وفقاً للآية 99 في سورة الأنعام "وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ"؛ فالله لم يستثني الإنسان في قوله كل شيء، ونبات كل شيء هو الخلية الأولى المتهيئة للتكاثر، والتي تتشابه في تكاثر جميع الأنواع وتأتي الأية 14 من سورة المؤمنين لتشير إلى ذلك بوضوح حيث تتشكل الخلية الأولى التي كان أصلها في البداية الماء والطين (سلالة من طين) إلى نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً ثم يكسو الله العظام لحماً.
هنا تتشابه جميع الأنواع في الخلق فإن كان هذا الجنين لبشر ينشئه الله خلقاً آخر، وتبارك الله الخالق المبدع المصور "ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ". ثم تأتي الآية 38 من سورة الأنعام لتبين أنه لم يتطور نوع من نوع آخر كما ادعى "دارون" على الرغم من أنها كانت من أصل واحد، وهذا لا ينفي التطور بل يصححه ويؤكده، ويتطابق مفهوم "لامارك" عن التطور مع هذا النوع من التطور بمعنى أنه، يصبح "أصل واحد وأنواع مستقلة" "وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ".
باختصار، التطور وفق رؤية القرآن الكريم والتي تتطابق رؤية "لامارك" معها يمكن تحديدها في العناصر التالية:
- عناية الله وراء الوجود بما يحتويه من كائنات وأنواع.
- كان الله قبل كل شيء، ثم خلق الله السموات والأرض والعرش.
- مهد الله الأرض وأنزل فيها أرزاقها.
- أنزل الله الماء وتكونت الخلية الأولى من امتزاج الماء بالطين، ومنها خرج النبات أولاً.
- كانت هذه الخلية الأصل المشترك لجميع الأنواع فيما بعد الحيوان والإنسان.
- الأنواع جميعها عوالم مستقلة لم تتطور من بعضها البعض كما زعم "دارون" على الرغم من وجود أصل مشترك.
- يعمل التطور في عالمين: عالم الوجود، وعالم الفناء لكنه بشكل متناقض وفي إطار الزمان والمكان.
- التطور مكون رئيس في الوجود لا يمكن تجاهله، تماماً كالنسبية والجاذبية.
وقد يتساءل البعض عن الحفريات الشبيهة بالإنسان مثل إنسان الأسترالوبيتساينس أو الإنسان القرد، والإنسان الماهر، والإنسان المنتصب، وإنسان نياندرتال أو الإنسان البدائي، وإنسان هايدلبرغ، نقول أنها قد ترجع إلى قوم يأجوج ومأجوج الذين احتجزهم ذو القرنين بالردم الذي بناه، فأوصافهم التي وردت في كتب السيرة تتشابه مع هذه الحفريات، أو أنها ترجع إلى خلقٍ قبل الجنس البشري التي ذكرت الملائكة أنهم يفسدون ويسفكون الدماء عندما أخبرهم رب العالمين بخلق آدم عليه السلام "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" (البقرة: آية 30).
ما أدعوا إليه وأحاول تأكيده أن التطور ناموس أصيل في الوجود يؤكد حقيقة وجود الله وأنه خالق هذا الكون، وتكشف الدلائل العلمية والإمبيريقية أن التطور مفهوم واسع يتضمن أوجه كثيرة: الحركة والتغير، والتوائم والتوازن، والتطور والتكيف، تأمل قوله تعالى "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" (يس: آية 38) أليس في ذلك دليل على الحركة والتغير، وتأمل قوله "لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (يس: آية 40) أليس هذا دليل على التوائم والتوازن، وتأمل قوله تعالى "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ" (العنكبوت: آية 14) أليس في الحقبة الزمنية الطويلة لدعوة سيدنا نوح لقومه مقارنة مع عمر الإنسان في الوقت الحالي دليل واضح على التطور والتكيف.
أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن بداية الخلق، ونهايته، وعن الحياة الدنيا والآخرة، وعن الموت والحياة، وعن البعث والحساب، وعن الجنة والنار، وعن النعيم والجحيم. "وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ" (النحل: آية 89)، وأمرنا بالتدبر والتأمل في الخلق "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (العنكبوت: آية 20) رحلة الخلق طويلة، طويلة جداً اليوم فيها بألف سنة "وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ" (الحج: آية 47)، يبحر فيها الإنسان وسائر المخلوقات بين شاطئي الزمان والمكان إلى يوم معلوم.
في الختام، أوصي بقراءة هذا الكتاب الذي يطرح فهماً جديداً حول الطبيعة الإنسانية وتطور المجتمع من خلال البحث عن الأسباب النهائية والأسباب المباشرة، وقد يثير هذا الكتاب عدداً غير قليل من التساؤلات لديك، ويحفز ذهنك لاستقبال معارف ورؤى علمية غير مألوفة من نوافذ لعدد من العلوم المختلفة.

