بحث بالمؤتمر الدولي الخامس، "الكلمة والصورة في الحضارات القديمة"، مركز الدراسات البردية والنقوش،  بجامعة عين شمس، في الفترة من  26-28 مارس 2014م.

المقدمة

ازدهر بارمنيدس (Parmenidhj) عام (485 ق.م تقريبًا)، أي بعد مائة عام تقريبًا من ازدهار أول الفلاسفة اليونانيين طاليس(585 ق.م تقريبًا. ويمكن أن نقول إن بارمنيدس قد أحدث تغييرًا كبيرًا في مسار الفلسفة اليونانية بتأسيسه الانطولوجيا لأول مرة.

الوجود موجود (to\ e)on): إن هذا النص من قصيدة (في الطبيعة، peri\ fu/sewj) لبارمنيدس- حسب تعبير هانز جورج جادامير- أريقت من أجل تأويله أنهارٌ من الحبر! لقد اختلف الباحثون حول فلسفة بارمنيدس اختلافًا كبيرًا، وتعددت تفسيرات مذهبه تعددًا مازالت أصداؤه تتردد منذ أفلاطون وأرسطو، ومرورًا بكبار شراح الفلسفة اليونانية أمثال بيرنت وزيلر وجمبرتز، وحتى كبار الفلاسفة المعاصرين أمثال هوسرل وهيدجر ورسل وجاك دريدا وكارل بوبر وهانز جادمير وغيرهم. فقد كانت عبارة بارمنيدس (وهى ليست  صريحة في اليونانية، ولا تشير إلى شيء محدد) مصدر اختلاف بين المترجمين، وبين الشراح، فهو يقول:(to\ e)on)، أي الموجود، فكيف ذهب المترجمون إلى ترجمتها "الوجود موجود"، وكان الأولى أن يقولوا "الموجود موجود" أو "الشيء موجود" أو "هو موجود" (It is). وقد ثارت نقاشات واسعة حول كل من مرجع (It) والمعنى الذي يمكن أن تعود إليه(Is)؟! ويحاول البحث أن يقترح حلاً لهذه الإشكالية التي لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد.

يقسم معظم الباحثين القصيدة – بعد تجاوز المقدمة -  قسمين: الأول في الحقيقة، أي الفلسفة (الانطولوجيا)، والثاني في الظن، أي العلم الطبيعي(الكسمولوجيا) وهذا التقسيم نجده منذ ديوجينس اللائرسي. وتكمن مشكلة هذه القصيدة في انسجام الجزأين؛ فقد عًد الوجود في الجزء الأول شيئًا فاقد الحركة، في حين نقل لنا الجزء الثاني نظرةٌ عن الطبيعة بوصفها شيئًا يتحرك. إلا أنني أقسم القصيدة إلى أقسام ثلاثة، معتبرًا المقدمة قسمًا أساسيًا من القصيدة وليس مجرد افتتاحية يتم عبورها بسرعة، بل إن إغفال المقدمة- الثيولوجية الميثولوجية-  ينتج عنه أننا نترك جزءًا مهمًا- إن لم يكن الجزء الأهم المؤسس لانطولجيا بارمنيدس برمتها- وهو بالنسبة للتحليل الهرمنيوطيقي الذي يقترحه الباحث مفتاح الشيفرة  للدخول إلى النص البارمنيدي في كليته. ويتجه التأويل الذي يتبناه الباحث هنا إلى عكس اتجاه جادامير الذي يرى أن هذا الشكل الأسطوري- رغم أنه يعترف به- لا يترتب عليه أن يكون ذا علاقة بالدين، بل سيحاول- من خلال هذا البحث- الكشفَ عن البنية الدينية العميقة للقصيدة، تلك البنية التي لم يرد جادامير أن يوليها أيةَ عناية هيرمنيوطيقية. وهذا لا يمنع من أن الشكل الأسطوري والسردي الذي يسم الإرث الملحمي العظيم الذي يرقى إلى هوميروس وهسيودوس، أقول- متفقًا مع جادمير- هذا لا يمنع أن قصيدة بارمنيدس تتضمن قيمة فلسفية كبرى أيضًا. وعلى ذلك أولى القصيدةَ عنايةً تأويلية لبنيتها الدينية والفلسفية معًا.

 تكمن إشكالية البحث في محاولة الإجابة عن التساؤلات الآتية:

- ما طبيعة التجديد الفلسفي الذي جاء به بارمنيدس في الفلسفة اليونانية؟

- هل يمكن قراءة  قصيدة بارمنيدس،”في الطبيعة“، قراءة هرمنيوطيقية، بمعزل عن السياق الديني والفلسفي اليوناني القديم؟

- هل يمكن فصل مقدمة قصيدة بارمنيدس- وهي مفتتح ميثولوجي ثيولوجي- عن بقية القصيدة؟

- ما طبيعة الانطولوجيا عند بارمنيدس؟ وما طبيعة ما أطلقنا عليه ”لاهوت الوجود عند بارمنيدس“؟

سوف يستخدم الباحث المنهج الهرمنيوطيقي (Hermeneutics = فنُّ الفهم، ومنهجُ تأويلِ النصوص) في تفسير قصيدة بارمنيدس، وهو المنهج الذي بلغ أوجه على يد هانز جورج جادامير في كتابه ”الحقيقة والمنهج“، والذي طبقه على قصيدة "في الطبيعة" لبارمنيدس في كتابه "بداية الفلسِفة". ولكن ربما جاءت النتيجة النهائية لهذا البحث مخالفة له، وقد يتفق البحث معه في بعض النتائج الجزئية. ويقوم المنهج الهرمنيوطيقي هنا على آلية تأويل النص من خلال سياقه الخاص به، سواء كان السياق الديني أم السياق الفلسفي. أما قواعد التأويل الهرمنيوطيقي الذي سيعتمد عليها الباحث فتتلخص في المحاور الأربعة الآتية:

  • 1- رصد الخلفية اللاهوتية والأسطورية، التي نشأ في إطارها السياقي نصُ قصيدة بارمنيدس”في الطبيعة“.
  • 2- التأويل يعتمد أساسًا على نص قصيدة بارمنيدس نفسه.
  • 3- التأويل يتناول نصَ قصيدة بارمنيدس في كليته الشاملة، فلا يحذف منه شيئًا خصوصًا المقدمة، إذ هي مفتاح الشيفرة لذلك التأويل.
  • 4- يؤول الباحثُ نصَ القصيدة عبر سياقين فلسفيين: أحدهما سابق على بارمنيدس ويتمثل خصوصًا في اناكسيماندروس و اكسنيوفانيس، والآخر لاحق عليه، ويتمثل في أفلاطون وأرسطو.

وينقسم البحث إلى الجزئين الآتيين:

أولاً: بارمنيدس وتأسيس الانطولوجيا

ثانيًا: الانطولوجيا الثيولوجية عند بارمنيدس