بحث بالمؤتمر الدولي الخامس "الكلمة والصورة في الحضارات القديمة"، مركز الدراسات البردية والنقوش، جامعة عين شمس، في الفترة من 26-28 مارس 2014م. منشور بمجلة مركز الدراسات البردية والنقوش، الجزء الثاني 2014 ص ص 181-147.
مقدمة
يُعد أمبادوكليس (Empedoklhj484-424 ق.م. تقريبًا) "فيلسوفَ العناصرِ الأربعة". وقد لعبت نظريةُ العناصر دورًا كبيرًا في فلسفة الطبيعة والكيمياء والطب وعلم النفس. وكان لها تأثيرُها على أفلاطون في "تيمايوس"، وقد أطلق عليها "اسطقسات الكل"(stoixeia tou pantoj Stoicheia tou pantos). واحتلت النظرية مكانًا هاماً في القرون الوسطى؛ فأطلق عليها فلاسفةُ العرب، لفظة "الاستقسات،(stoixeion Stoicheion). واستمرت هذه النظرية حتى القرن الثامن عشر تقريبًا. هكذا اُعتبرت العناصرُ أربعةً فقط ، لمَ أربعة عناصر؟ يبدو أن هذه القضية – كما يقول جورج سارتون- لم يعبأ بها أحد! على أن أمبادوكليس لم يضع لفظ العناصر(stoixeia)، وإنما استخدم الفظ اليوناني (Rhizomata r(izw/mata) بمعنى الجذور(Roots).
لقد أوَّل "أرسطو" نصوصَ أمبادوكليس في كتبه "في الطبيعة" و"الكون والفساد" و"ما بعد الطبيعة"، تأويلاً ماديًا خالصًا، بعد أن نزع عنها كل التهويمات الأسطورية والدينية. ويمكن أن نطلق على منهج أرسطو هذا "منهج نزع الأسطورية"(Demythologizing). وأعني به فصلَ الرسالة الفلسفية عن الميثولوجيا الكسمولوجية عند أمبادوكليس. وقد تابع الباحثون والشراح ذلك التأويل الأرسطي لأمبادوكليس منذ القرن الرابع قبل الميلاد وربما حتى الآن.
هذا وقد درس الباحثون جانبَ التناقضِ في شخصية أمبادوكليس الدينية، كما يصورها في قصيدته (التطهيرkaqarmoi Katharmoi)، وهى التي يخاطب فيها أهل بلدته "أكراجاس"، وشخصيته العلمية التي تتضح في قصيدته (في الطبيعة peri/ fu/sewj)، التي يوجهها إلى تلميذه بوسانياس (Pausanias). ويقول برتراند رسل إنه لا مندوحة لنا عن تناول آرائه العلمية وآرائه الدينية منفصلين لأن هذه لا تتسق مع تلك. هكذا شاع التعارض بين أمبادوكليس "رجل العلم"، وأمبادوكليس "رجل الدين" على حد تعبير "فيرنر ييجر".
كذلك يرى معظمُ الباحثين- وعلى رأسهم "جون بيرنت" وبتأثيرٍ أرسطي - أن أمبادوكليس فيلسوفٌ طبيعي خالص، وأن عالمه هو عالم ماديٌ آليُ يمتاز بالحركة الدائمة، ولا يفتقر إلى علة أخرى تحركه خلاف "فيليا" و"نيكوس" (filia kai neikoj ) أو المحبة والكراهية، الماديتين، اللتين حركتا العناصر ابتداءً، ولا تنفكان تحركانها. فالعناصر الأربعة بالإضافة إلى المحبة والكراهية، هى الحقائق الست المادية التي تخلو من كل غاية، أو قصد أو عقل أو إله؛ وهى جميعًا أشياء مادية بمعنى الكلمة؛ لها ثقل ولها طول وعرض، وأن كل شيء نشأ من العناصر بفعل "المصادفة" أو "الضرورة" وحدها.
هكذا نُظر إلى القصيدتين بوجهات نظر متباينة: فمدرسة "ديلز" و"بيديز" ذهبتا إلى أن كلاً من قصيدتي أمبادوكليس يعود لفترة محددة من حياة فيلسوف أكراجاس وأنهما يمثلان بدورهما تطوره الذهني، بينما أكدت مدرسة "زيلر" و"بيرنت" تناقض القصيدتين. وينفرد كورنفورد"- في كتابه "من الدين إلى الفلسفة"- برأي مؤداه أن قصيدة (التطهير kaqarmoi) يجب أن تتخذ بداية لدراسة أمبادوكليس، ومنها ننتهي إلى قصيدته (في الطبيعة peri/ fu/sewj) حيث نجد أن هناك نوعًا من التوافق في خطي القصيدتين معًا.
تساؤلات البحث:
- هل يوجد مبررٌ للفصل بين أعمال أمبادوكليس العلمية وأعماله الدينية؟ وهل هذا الفصل ممكن أصلاً؟
- هل أمبادوكليس هو بالفعلِ صاحبُ نظريةِ العناصر الأربعة: الماء، والنار، والهواء، والتراب؟
- هل هذه العناصر هى بالفعل أربعةٌ أم ستة؟ أم أكثر؟
- هل عناصر الكون الأمبادوكليسي ماديةٌ أم آلهةٌ أسطورية؟
- كيف أبدع أمبادوكليس "سفرَ تكوين جديد" وكيف أنشأ كسمولوجا شاملة من هذه العناصر؟
- هل تغيرات العالم- وفقًا لكسمولوجيا العناصر عند أمبادوكليس- تسير وفقًا لــ"هدف" منشود، أو "قصد" إلهي، أم أن "المصادفة" و"الضرورة" هما وحدهما اللذان يسيرانها؟
سوف يناقش البحث كل هذه التساؤلات وغيرها مما أثارته نصوص أمبادوكليس الشعرية الملتبسة والغامضة في جملتها. وسوف يستخدم الباحث "المنهج الهرمينوطيقي"(Hermeneutics([1]) = فنُّ الفهم، ومنهجُ تأويلِ النصوص)، متتبعًا نصوص أمبادوكليس، ومحاولاً فهمها على ما هي عليه. وهو منهج لا يفصل بين أعمال الفيلسوف فصلاً لا دليل عليه ولا برهان يؤيده، بل يراها كلاً متصلاً، ونصًا واحدًا، لا يجوز لنا أن نضفي عليه "العقلانية" بنزع الجوانب الأسطورية عنه. سأقرأ نصوص أمبادوكليس، عبر سياقها المؤثر فيها والمشكل لها، وخصوصًا المدرستين الفيثاغورية والإيلية، محاولاً استخلاص الإبداع الفلسفي الخاص الذي أطلقنا عليه اسم "كسمولوجيا العناصر عند أمبادوكليس"؛ وبذلك نكون قد جمعنا بين دراسة النص، ودراسة السياق الذي أنتج ذلك النص. ويشتمل البحث على عنصرين، على النحو الآتي:
- أولاً: امتزاج الأسطورة بالفلسفة والعلم عند أمبادوكليس
- ثانيًا: ثيولوجيا العناصر عند أمبادوكليس
([1]) تأتي كلمة هرمينوطيقا من الفعل اليوناني ( Hermeneuein ) ويعني "يفسر" أو يؤول، والاسم ( Hermeneia)، ويعني تفسير أو تأويل؛ ويؤوَّل في اليونانية له معانٍ ثلاثة: يعبر بصوت عالٍ في كلمات، أي "يقول" أو "يتلو".2- يشرح، 3- يترجم.

