" كسموجونيا الأبيرون عند أناكسيماندروس" بحث ألقى بــالمؤتمر الدولي السابع، "الحياة اليومية في العصور القديمة"، مركز الدراسات البردية والنقوش، بجامعة عين شمس، في الفترة من 29إلى 31 مارس 2016م. منشور بمجلة مركز الدراسات البردية والنقوش، الجزء الرابع 2016 ص ص 101-141.
المقدمة:
عالجَ فلاسفةُ أيونيا القدامى قضايا الميتافيزيقا حين حاولوا- للمرة الأولى في تاريخ العالم الغربي- أن يضعوا نظريةً في تفسير العالم؛ بالبحث عن حقيقة الموجودات. وكان أولُ هؤلاءِ الفلاسفة الميتافيزيقيين أناكسيماندروس (Anacimandroj)، الفيلسوف الثاني لمدرسة ميليتوس (Miletus)، بعد مؤسسها الأول طاليس(Qalh/j).
لقد تركَ طاليس مشكلةَ كيفيةِ تطورِ الماءِ الأَوَّلِي إلى كون (kosmoj) دون حلٍ؛ لذلك قدم أناكسيماندروس أولَ محاولةٍ فلسفيةٍ، للإجابة عن سؤال كيف تطور العالم من مبدأ أول (h( arxh/) هو الأبيرون(to/ a/)peiron)؟ حيث قدم كسموجونيا فلسفية (kosmogoni/a= نظرية نشأة الكون) ذات مراحل عدة (يتصورها الباحثُ مراحلَ كسموجونية سبعة). وأيضًا بدأت الميتافيزيقا في الظهور على يديه وذلك في تحديده لفكرة الأبيرون العقليةِ المتعاليةِ عن مجال الخبرة الحسية.
إن كسموجونيا الأبيرون هي قصةُ الفلسفةِ الجديدةِ التي قدمها أناكسيماندروس ، في القرن السادس قبل الميلاد، لتحلَ محلَ الإرثِ الملحمي الأسطوري القديم، أعني محلَ الكسموجونيا الثيولوجية القديمة. ومن هنا بدأتْ الفلسفةُ والميتافيزيقا وعلمُ نشأة الكون على يد أناكسيماندروس. وعلى هذا البحث- وهنا تبدو أهميته جليةً- أن يحاولَ بيانَ هذا التحول الفلسفي العظيم في تاريخ الفكر الإنساني، وبدايات تشكيل الوعي الأوربي (الذي لا زالت أصداؤه تتردد حتى الآن حيث نظريات الانفجار العظيم، والأوتار الفائقة، والأكوان المتوازية، والأصل الأول، والمصير النهائي للكون الذي نعيش فيه، وغيرها من نظريات علم الكون النظري الحديث)؛ إذ لا زلنا نطرحُ الأسئلةَ ذاتها ونحاول أن نجدَ أجوبةً عنها.
إشكالية البحث:
تكمن إشكاليةُ البحثِ في محاولة الإجابة عن التساؤلات الآتية:
- ما مفهوم الكسموجونيا الأسطورية قبل أناكسيماندروس، خاصة عند هوميروس وهيسيودوس وأورفيوس؟
- كيف بدأتْ الميتافيزيقا على يد أناكسيماندروس؟ وماذا يعني الأبيرون عنده؟ وما طبيعته؟ وما صفاته؟
- ما مراحل التطور الكسموجوني للأبيرون؟ وكيف استخلص أناكسيماندروس هذه المراحل الكسموجونية من الأبيرون؟
- كيف نشأَ الإنسانُ؟ وما أصلُ هذه النشأة؟ وبمعنى آخر كيف بدأت الأنثروبوجونيا العلمية (علم نشأة الإنسان) على يد أناكسيماندروس ؟
- هل يمكن أن يُعد أناكسيماندروس - كما وُصف منذ أيام أرسطو- بأنه أحد الطبيعيين الأوائل وأن فلسفته فلسفة طبيعية خالصة؟ أم أنه يصعب علينا إطلاق ذلك الوصف على أناكسيماندروس وفلسفته؟
- ما طبيعةُ ما أسميناه بـ "كسموجونيا الأبيرون" عند أناكسيماندروس"؟
للإجابة عن هذه التساؤلات، وغيرها، سوف نتناول بحث كسموجونيا الأبيرون عند أناكسيماندروس من خلال منهج هرمنيوطيقي ([1]) يؤول الشذراتِ الباقيةَ من فلسفة أناكسيماندروس؛ عبر قراءتها خلال السياقين الميثولوجي والثيولجي، عند السابقين عليه، خاصة هوميروس (o(mhroj), وهيسيودوس(H(si/odj), وأورفيوس (Orfe/aj)؛ بحيث يمكن أن ندللَ على أن كسموجونيا الأبيرون هى أولُ نظريةٍ فلسفيةٍ (ميتافيزيقيا) تحكي قصةَ كيفيةِ نشأة الكون (كسموجونيا)، وهي أولُ نظريةٍ كونية تُعتبر الأولى من نوعها وربما أصل جميع نظريات الفلك (astrono/mia) التي عرفها اليونانيون من بعده. كما أنها أول نظرية بيولوجية تبحث في نشأة أصل الإنسان (أنثروبوجونيا) وتطوره قبل داروين بآلاف السنين!
وسوف ينقسم البحث إلى المحاور الثلاث الآتية:
- كسموجونيا التراث الملحمي القديم.
- كسموجونيا أناكسيماندروس الفلسفية.
- المراحل الكسموجونية السبعة للأبيرون.
([1]) تأتي كلمة هرمينوطيقا من الفعل اليوناني ( Hermeneuein ) ويعني "يفسر" أو يؤول، والاسم ( Hermeneia)، ويعني تفسير أو تأويل؛ ويؤوَّل في اليونانية له معانٍ ثلاثة: يعبر بصوت عالٍ في كلمات، أي "يقول" أو "يتلو".2- يشرح، 3- يترجم.

