بحوث الفعل - النشأة والمفاهيم :-

   يُعدُّ البحث التربوي من أنماط البحث العلمي ، حيث تتولى مؤسسات تربوية عديدة القيام به ، وحيث تجعل منه وظيفة رئيسة من وظائفها . ولا شك أنه مع التحول والنقلة المجتمعية سوف يتعاظم دور البحث التربوي أكثر من أي وقت مضى في إيجاد المجتمع المتعلم أو المجتمـع المؤسس على المعرفة ( مجدي صلاح طه المهدي ، 2007 ، 33-35 ) .  

  وقد صنف ( عرفات عبد العزيز سليمان ) البحث التربوي إلى ثلاثة أنواع هي  البحث الأساسي : Basic Research   ، والبحث التطبيقي :    Applied Research ، والبحث الموقفي :  Action Research   .

  ومع السعي نحو توسيع دائرة البحث التربوي في مختلف الأنشطة التعليمية ظهر نوعاً جديداً من هذه البحوث التربوية يختلف عن البحث التربوي التقليدي المألوف ، والذي نستطيع أن نحدد ملامح منهجيته البحثية وخطواته بطريقة علمية موضوعيـة صارمة ؛ حيث يقوم به التربويون وفقاً لإطار نظري محدد.

  هذا النوع الجديد من البحوث التربوية يُسَمَّى " بحوث الفعل " ، والتي يتم تصميمها و إجراؤها وضبط خطواتها بواسطة المعلم نفسه ، أو بالتعاون مع زملاء يشاركونه المشكلة ، أو العمل بما يحقق التنمية المهنية لهم ، بالإضافة إلى ما يستفيده التلاميذ أنفسهم من التحسن في الأداء في مدرسة فعَّالة .

 وقد ازداد شيوع هذا النوع من البحوث بعد أن اُعترف به كمنهجية بحثية يمكن أن تعزز تطور المعلمين من خلال دراستهم لممارستهم بطريقة تؤدي إلى تحسين نوع تعلم الطلبة . إنَّه نوع من بحث تأمل الذات المستخدم حالياً في تطوير المنهج المعتمد على المدرسة والتطوير المهني ، ويُعد هذا النوع من البحوث بديلاً للبحوث التربوية التي اعتاد فيها الباحث دراسة الآخرين ؛ لأن باحث الفعل يقوم بنفسه بدراسة ممارساته التعليمية وبدراسة طلبته ، ويبحث عن سبل تحسين هذه الممارسات من أجل تحسين تعلم طلبته.

  هذا وتعود نشأة بحوث الفعل إلـى نهايـة القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ، حيث ترجع هذه الأفكار أساساً إلى عالم النفس الاجتماعـي ( كورت ليوين ) الذي يعتـبر أول من صك مصطلـح  " بحث الفعل " ، فمن وجهة نظره أن البحث المطلوب للممارسة الاجتماعية هو بحث يؤدي إلى فعل اجتماعـي  ولا يكفي أن يكون الهدف النهائي منه هو إخراج كتاب أو صفحات من كتاب ، بل لابد أن يؤدي البحث إلى فعل اجتماعي ( Markk , 2005  , Smith ) .

   ويُعدُّ جون ديوي أحد أبرز علماء التربية الذين كان لهم دور كبير في تطوير بحوث الفعل أو بحوث المعلمين ، حيث انتقد الفصل التقليدي بين المعرفة والفعل ، وطبق الطريقة العلمية في حل مشكلات التعليم ، وكان يعتقد أن المعلمين في حاجة لاختبار أفكارهم إجرائياً وهم يقومون بالتدريس ، وكان يرى أن شك المعلمين الصحي في طريقة تدريسهم ، تمكنهم من التأمل في ممارساتهم ، وقدم طريقة لتحسين التدريس من خلال التأمل في الممارسات ( Mary  L , Holly (etal) , 2005, 50) .

   ومع بداية السبعينات من القرن العشرين ظهرت فكرة المعلم الباحث كحركة في مجال التعليم الثانوي بالمملكة المتحدة ؛ وذلك من منظور يهتم بألاَّ يقتصر عمل المعلم الممارس في الفصل على مجرد التدريس ، بل يمتد ليمارس عملية البحث أيضاً على اعتبار أنَّه أكثر مَنْ يستطيع تحديد المشكلات التعليمية وإيجاد حلولاً لها ؛ فمن هذا المنظور تصبح العملية التعليمية عملية نشطة ؛ لأنَّ المعلم هو الذي يمارس عملية البحث داخل الفصل عن كيفية إصلاح ممارساته ، وأداء التلاميـذ . وهنا فالمعلم لا يتوقف من وجهة النظر هذه عن ممارسة التقويم المستمر للأداء داخل الفصل وعن طريق النتائج التي يصل إليها يبدأ البحث من جديد عن ممارسات مختلفة أو حلول لما اكتشفه بنفسه من أسباب أدت إلى ضرورة التغيير في الأداء ، وهذا أفضل كثيراً من جهة النظر هذه من التقويم الخارجي لعمل المعلم وأداء التلاميذ.

 و يقصد ببحث الفعل ذلك البحث الذي تكون فيه المعرفة والتقنيات في علم الاجتماع مصحوبة بسياسة عملية تحض على وضع خطة للتغيير الاجتماعي وتحقيقه . فبينما يعتمد الباحث التقليدي على تشخيص أحداث الماضي وتفسيرها ، نجد باحث الفعل الاجتماعي منخرطاً في مبادرات حديثة للتخطيط يرصد فيها الموقف الذي يمثل خط الأساس ويلاحظ التغيرات التي تنشأ عن الخطة محاولاً أن يرصد آثارها.

    ويعرف Mills ( Mills ,  G ,   2011  ) بحث الفعل بأنه : أي استقصاء منظم يطبق بواسطة المعلمين أو المديرين أو الاستشاريين مع التربويين بغرض جمع المعلومات عن كيفية عمل بعض المدارس الخاصة بهم وممارستهم التدريسية ، وكيفية تعلم طلابهم لتحسين وفهم الطرائق التدريسية التي أثبتت فاعليتها . " فهو وسيلة لاشتراك الممارسين في دوائر دقيقة للتخطيط والملاحظة والفعل والتأمل والتي قد تؤدي إلى تغيير الفهم والتطبيق ".

و أهداف هذه البحوث عديدة منها : -

1- تمكين المعلم من تحسين ممارساته التعليمية .    2- زيادة دافعية المعلم ودعم ثقته بنفسه .

3- تضييق الفجوة بين النظرية والتطبيق .      4- تحسين التواصل بين المدرسة والمجتمع المحلي .

5- دعم وتقوية روح الجماعة بين القائمين بالبحث .   6- التطوير المهني المستمر للمعلم .

7- تهدف كثير من بحوث الفعل إلى دراسة الجوانب الأخلاقية والإنسانية في العملية التربوية ، وهذا الأمر تفتقر إليه الأنواع الأخرى من البحوث .

8- تقوم بحوث الفعل على فكرة مفاداها أن من يواجه مشكلة ما يكون أقدر الناس على حلها ؛ لذا فإن بحوث الفعل تعمل على ترسيخ فكرة المعلم الباحث .

9- تهدف بحوث الفعل إلى إحداث تغيير نحو الأفضل في المنهج التربوي على مستوى المدرسة والإدارة والمناهج وكافة جوانب العملية التعليمية .

10- تحسين التواصل بين المعلم والباحثين التربويين وبين المعلمين وزملائهم والإدارة المدرسية والمجتمع المحلي .

11- توفر بحوث الفعل عدة بدائل مرغوباً فيها ، وهي أكثر موضوعية لأساليب حل المشكلات الدراسية مقارنة بتلك التي تقوم على الذاتية و الانطباعات الشخصية. 

12- تستهدف بحوث الفعل حل المشكلات التعليمية التي تواجه الممارسين من المعلمين ومديري المدارس وتحسين الممارسات التعليمية ، وكذلك توفير الوسائل  المختلفة التي تساعد على تطوير أداء المعلمين وتنميتهم مهنياً ، أي أنها تهدف إلى تحسين ثلاثة مجالات هي : تحسين الممارسة ، وتحسين الفهم حول الممارسة التي يجريها الممارسون ، وتحسين الموقف الذي تحدث خلاله الممارسة .

  وهذا يعني أنَّ بحوث الفعل يُنظر إليها على أنها مدخل شامل لإصلاح المدرسة وتحسين جميع جوانبها والاهتمام بجميع العاملين بها .