تعني الأثنوجرافيا الدراسة "الوصفية" لأسلوب الحياة ومجموعة التقاليد، والعادات والقيم والأدوات والفنون، والمأثورات الشعبية لدى جماعة معينة، أو مجتمع معين، خلال فترة زمنية محددة..... إذن يتحدد مفهوم الأثنوجرافيا –اكاديمياً- بأنه: الوصف الدقيق والمترابط لثقافات الجماعات الإنسانية.

يقصد بالمنهج الاثنوجرافي الدراسة الميدانية العلمية للظواهر الاجتماعية وذلك عن طريق اتصال الباحث الانثروبولوجي بموضوع البحث اتصالاً مباشراً يعيش فيه بين الجماعات المراد دراستها ويتعلم لغة الأهالي لكي يوثق صلته بهم.

ويمكن تحديد أهم خطوات المنهج الاثنوجرافي بما يلي:-

1- Observation :  وتعني " الملاحظة "، وهي من أهم طرق البحث الانثروبولوجي ، والملاحظة تعني ملاحظة الباحث للمجتمع المدروس في التعرّف على صفات وخصائص ما يدرسه من خلال وصفه له .

   وأعمق منها منهجياً " الملاحظة -  المشاركة" observation-participation  إلاَّ أنَّها عملية غير ممكنة كما يرى البعض ، هنا الاعتراض يكون بسبب أن الباحث يكون غريباً عن المجتمع الذي يدرسه... ما نقصده هو أن الباحث الاثنوجرافي غالباً ما يتأثر بمنطلقاته النظرية ، ومواقفه الأيديولوجية ، وتكوينه الذهني والنفسي ، والتي لا بدّ أن تؤثر في نتائج دراسته خصوصا عند استخدام منهج " الملاحظة- المشاركة". 

  كذلك أن منهج " الملاحظة – المشاركة " يثير أيضاً تساؤلات حول موضوعية المادة التي يحصل عليها الباحث في دراسته الحقلية... وقد ارتبط هذا التساؤل بواقعة خاصة بالتناقض في نتائج الدراسة لقرية مكسيكية واحدة بواسطة اثنين من الاثنوغرافيين .

ففي عام 1920 درس الأميركي " روبرت رادفيلد" قرية " نيوزلاند"  المكسيكية ، وبعد 14 عاماً أي في سنة 1934 ذهب الأميركي " أوسكار لويس  " إلى القرية نفسها لدراستها. أن " لويس" قد قرأ بطبيعة الحال نتائج دراسة " رادفيلد " وقد احتار في أمرها لأنَّها جاءت متناقضة تماما لملاحظاته الشخصية ، لقد أعطى "رادفيلد" صورة وردية عن الحياة في تلك القرية المكسيكية ؛ حيث وصف أفراد المجتمع هناك بأنهم سعداء وهادئون ، في حين " اوسكار لويس " وجد الصورة مختلفة تماما ، فالناس كانوا غير متعاونين والعلاقات الاجتماعية كانت ضعيفة .

 وقد يذهب البعض إلى أن سبب الاختلاف ربما يعود إلى تحولات جذرية في مجتمع القرية إلا أن التحليل الدقيق لهذا الموقف قد أوضح أنّ الاختلاف في النتائج كان انعكاساً لاختلاف في المنطلق الفكري والنظري لكل منهما .

واعترض " بيير بورديو " على منهج " الملاحظة  - المشاركة "، وكان يرى أنه منهج مليء بالعيوب من الطرفين الباحث والمبحوث ، كما أنه اعترض على الكثير من النظريات الأنثروبولوجيــــة المجردة مثل كلمة " البناء الاجتماعي" وقال إنها كلمة لا تدل على أي وجود ، ويتساءل: أين هو البناء الاجتماعي؟!

 فالبناء شيء مجرد فنحن لا نراه ، ولذلك علينا أن نركز على الممارسة وعلى العلاقات الاجتماعية المتفاعلة، أي أن ننتقل من مستوى " التنظير " إلى مستوى تحويل النظريات إلى " صور واقعية " .

  وبناء على هذا اقترح " بورديو" كلمة Objectivation وهي مفردة ، وإن كان من الصعب ترجمتها إلاَّ أنها يمكن أن تعني حسب فهمنا لها " التجسيد" . إن كلمة Objectivity والتي تعني الموضوعية ، ويقصد بذلك الادعاءات التي يطلقها الباحثون الاثنوغرافيون حول دراساتهم والتي يصفونها بأنها دراسات موضوعية، فإن "بورديو" كان يمقتها ويقول: ان هذا هو إدعاء وانه "باطل"، لأن "الملاحظة-المشاركة" تقف ضد الموضوعية، والموضوعية غير متجسدة فيها، وعليه فليس هناك موضوعية في Objectivity.

ويُعنى مفهوم " الموضوعاتية بالمشاركة " الذي طرحه "بورديو" بالكشف عن الآثار الذاتية المتحيّزة للباحثين الغربيين في تحليلاتهم الاثنوغرافية.....هذا يؤمل للباحث التعمق في تجاربه الاجتماعية السابقة لتحصيله العلمي وانعكاساته اللاشعورية الذاتية على تفسيراته لما يدرس من جماعات وظواهر.... ان ذلك لا يعني تخلي الانثروبولوجيين تماما عما في نفوسهم وتجنب استخدامه في البحوث بل العكس، فالباحثون يمكن ان يستفيدوا من تجاربهم الشخصية السابقة وذلك بإخضاعها للضبط المنهجي الاثنوغرافي والسوسيولوجي مما يجعلها مادة عملية لا يستغني عنها.

وحين نتعمق ملياً في مصطلح "الملاحظة-المشاركة" نجد انه يشير الى سلوك الباحث الاثنوغرافي نفسه حينما يغوص في العالم الاجتماعي الغريب عنه لكي يلاحظ نشاطاً او طقساً يكون مساهماً فيه. وتبرز هنا معضلة شائكة ترتبط بضرورة وجود ازدواجية مسبقة لوعي الباحث بحيث يراقب سلوك الآخرين مثلما يراقب سلوكه، وهو أمر غالبا ما يتعذر على الاثنوغرافيين

من هنا يكون معنى "الموضوعاتية-المشاركة" تحليل لشخصية الباحث الاثنوغرافي نفسه، ولا يقصد بها تدقيق عمل الباحث الاثنوغرافي من قبل باحثين آخرين يراجعون عمله بزيارة للجماعة او الجماعات التي قام بدراستها من خلال الاتصال بالمخبرين الذين اعتمد عليهم والتأكد من الروايات التي أوردها ومن زوده بها في الميدان. فالموضوعاتية تحاول ان تظهر بجلاء مضمون العلاقة الذاتية الخاصة بالمبحوث.....(ستكون لنا دراسة حول: منهج الموضوعاتية عند بورديو)

2 - Processes  : وتُدعى "العملية" وتكون العملية عادةً تلقائية غير مخططة، فهي صيرورة، والصيرورة شيء يحصل في كل مرة. ان اهم صفة في العملية هي انها تتكرر نمطياً، فلا تشذ عن النمط. ومن امثلة ذلك: "الزواج" فهو يتكرر حدوثه كـ"طقس" في مجتمع معين لثلاث مرات او اكثر خصوصاً إذا كان هذا المجتمع يتمتع بدرجة عالية من الوحدة والتجانس. أما في المجتمع المتعدد "المركب" فتكون ثمة مشكلة تطال عامل الـ"processes" ذلك ان لكل طبقة أو فئة طقوسها ونشاطها الخاص بها....

 3 - description  :  وهو ما يُسمى بالوصف والذي يعد من اهم خطوات البحث الاثنوغرافي الذي يمارسه الباحث الاجتماعي، هنا يقوم الباحث بوصف ما يرى فقط وصفاً أميناً دقيقاً لما يحدث، وان لا يزيد شيئاً من عندياته او ما يمكن ان ينسجم مع أهوائه....

ان عملية "الوصف" هذه تتميز بانها عملية شاقة ترهق الباحث الاثنوغرافي فهو مطالب في حالته هذه ان يكون دقيقا جدا فيما يدونه من معلومات او معطيات، كما يفترض عليه ان لا يصف كل ما يشاهده هكذا عنوة، وإنما يرتبط الأمر فقط في استحصال البيانات التي يمكن ان ترفد الباحث وتعينه في موضوعات دراسته، فليس كل وصف يمكن اعتباره وصفا اثنوغرافيا، فمهمة الباحث هنا تختلف كثيرا عن مهمة غيره من المتخصصين الآخرين الذي يرمون الى وصف كل ما يقع تحت ناظريهم من أخبار او معلومات والتي لا تعدو ان تكون بيانات نظرية غير مفيدة بالمرة..... لذلك فأن الباحث الانثروبولوجي يتمتع بخصوصية "اختصاصية" تفرده عن غيره من الدخلاء في عملية تجميع المعلومات من الوقائع الميدانية .

Analysis- 4  :   عندما نعمد الى جمع المعلومات وتتوفر لدينا نربط العمليات processes مع بعضها البعض، بحيث نجد عن طريق عملية الربط هذه ان هناك علاقات وصلات بينها، ونصل أيضاً عبر ذلك الى تحليل محتوى العلاقات وكيف يمكن ان تسير، وما هي درجة الانسجام والتناقض بينها؟.... وكذلك الآثار التي تترتب على ذلك .

   هنا يعمد الباحث الاثنوغرافي الى تحليل كل فئة من هذه الفئات إلى نخب أصغر، أي ترتيب هذه الفئات وتنظيمها وتفكيكها، وفي هذه المرحلة من الممارسة الاثنوغرافية تبدأ اللمسات الاثنولوجية واضحة بحيث يعمل الباحث على استظهار قنوات البناء والتفكيك للظاهرة الاجتماعية من خلال ما ألتزم به من معطيات خارجية

   بعد تحليل هذه الفئات كما قلنا يقوم الباحث في الكشف عن الآثار المسبّبة للظاهرة المدروسة، ويتففن هنا في طرح مجموعة من المسببات والتي قد تنسجم حتما مع موضوع دراسته، ويخضعها جميعا للفحص والاختبار الدقيق، ثم تأتي أثر ذلك عملية " التركيب" لهذه الفئات والعمليات من اجل الوصول الى نتيجة مرضية، ومما ينبغي ذكره هنا ان مرحلة او خطوة "analysis" تعد مرحلة وسطى بين "الوصف" و"التنظير" الذي لا يظهر بشكل ملموس في الاثنوغرافيا .

المصدر: شبل بدران وآخرون ، مناهج البحث في العلوم التربوية ، الاسكندرية : دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ، 2018م