نمر عليهم كل يوم.. تعودنا على رؤيتهم بملابسهم الرثة الممزقة التى لا تحمى من برد ولا حر ولا مطر وأجسادهم النحيلة جوعا وبؤسا وعيونهم الزائغة بحثا عن الأمان المفقود وخوفا ورعبا من مستقبل مظلم مرعب.. «جعان يابيه».. «والنبي ادينى اشترى أكل».. «مناديل يا مدام».. «فل وورد يا آنسة»، قد نرى البعض منهم يبحث عن بقايا طعام فاسد كحياته الفاسدة فى صناديق القمامة أو مستغرقا فى نومه على الرصيف.. نتأفف منهم ومن إلحاحهم.. أو نمصمص شفاهنا شفقة عليهم ثم نمضى ونعود إلى منازلنا نأكل ونحتضن أبناءنا نسمع نشرات الأخبار.. نقرأ الصحف.. نشاهد برامج التليفزيون.. أحاديث لا تنتهي عن مؤتمرات حماية أطفال الشوارع وعقد حماية الطفل المصري ورعاية الأطفال بلا مأوى.
فقد تحولت كثير من ميادين مصر وشوارعها إلى أماكن إيواء للأطفال المشردين.. ينتشرون فى كل مكان، فى الحدائق وأمام المحلات المغلقة وفى الخرابات والأماكن المهجورة، لا يبالون بالتقلبات الجوية من حر قائظ أو برد قارص، ويتحملون الجوع، ويفرغون طاقتهم بألعاب العنف، من بينهم فتايات صغيرات، كلهم هربوا من أسرهم لأسباب عديدة فى مقدمتها التفكك الأسرى خاصة إذا تزوج كل من الأب والأم بآخر بعد الانفصال، وكذلك القسوة المفرطة، حتى إن الأطفال يجدون أن معترك الحياة والنوم فى الشوارع أقل قسوة مما تعرضوا له وتسبب فى هروبهم، أما الخطورة الكبرى فتتمثل في استغلال البعض لهؤلاء الأطفال فى كل شىء، من التسول لحسابهم وأعمال العنف والسرقة، بل والاغتصاب وتجارة الأعضاء.
فقد أصبحت قضايا الطفولة محل اهتمام وبحث كبيرين على المستوى العالمى، وعقد لهذا الغرض العشرات من المؤتمرات الأممية والإقليمية والوطنية إضافة إلى تصديق وتوقيع جميع الدول على الاتفاقية الخاصة بحقوق الطفل وظهرت قوانين وطنية تتمثل الاتفاقية الدولية وتزيد من الاهتمام بالطفولة. فى هذا السياق يأتى اهتمامنا بأطفال الشوارع كأحد وأهم ملمح لظاهرة الطفولة ومشكلاتها فى المجتمعات النامية ومنها مصر، وهذه الظاهرة (أطفال الشوارع) ذات طبيعة مركبة متعددة المجالات فهى ظاهرة ومشكلة اجتماعية اقتصادية بل سياسية وقانونية فى آن واحد، ووفقا للمتغيرات التى يشهدها المجتمع المصري فى مختلف المجالات اقتصاديا واجتماعيا ناهيك عن المتغيرات الديموجرافية وتزايد حجم السكان كل ذلك يشكل السياق المجتمعى العام الذى يفرز ظاهرة أطفال الشوارع. وحسنا تفعل الحكومة المصرية فى اتجاهها إلى اعتماد الدراسات العلمية من أجل تمكينها من البيانات والمعلومات والتحليل المنهجي والموضوعي الذي يساعدها فى صنع القرارات ووضع المعالجات اللازمة لهذه الظاهرة التى أصبحت إشكالية لها العديد من المظاهر السلبية بل إن وجودها بحد ذاته ملمحاً سلبياً فى المجتمع. الجدير بالذكر أن أطفال الشوارع هم ضحايا السياسات الاقتصادية التى ينجم عنها مزيداً من الفقر والبطالة والحرمان لغالبية أفراد المجتمع. إضافة إلى دور العوامل الأسرية والثقافية والاجتماعية في إبراز هذه الظاهرة. وللعلم فإن ظاهرة أطفال الشوارع تنتشر فى غالبية الدول العربية وأصبحت محل دراسة واهتمام رسمى وأهلى.
وفي وطننا العربي هناك تقريبا10 مليون طفل وطفلة تنفرد فيه مصر وحدها بحوالي 2 مليون ، وقد أفادت بعض الإحصاءات بأن أكثر من 56 % منهم يسرقون ، بينما 80 % منهم مدمنون على تدخين السجائر والتعاطي للمخدرات تجارة واستهلاكا بكل أصانفها، في حين 20 % منهم يلجأون إلى التسول .
والفئات العمرية الأكثر تأثرا ومعاناة بين أطفال الشوارع تتراوح بين سن العاشرة والخامسة عشرة، وتكون غالبيتهم العظمى من جنس الذكور لأن الإناث لا يشكلن أكثر من 8% من المجموع.
إن تواجد الأطفال في الشوارع سلوك إنساني غير سوي، لا ينطلق من العدم بل مرتبط بعوامل مختلفة من فرد لآخر ومن مجتمع إلى أخ، وتساهم في انتشاره العديد من الاضطرابات النفسية والأزمات الاجتماعية و الاقتصادية، كما يعد موضوعا إنسانيا خطيرا ومأساة تتطلب حلا لما تخلفه من انحرافات وعواقب عديدة تنتشر في المجتمع فتؤدي به إلى الهلاك لذا اهتمت به العديد من العلوم التي تعني بالإنسان وقضاياه.
وفي الحقيقة لا توجد عوامل خاصة بهذه الظاهرة في حد ذاتها بل إن معظم الدراسات سواء في علم النفس أو في علم الاجتماع أو غيرها، تؤكد وبوضوح و موضوعية على أن العوامل المتحكمة في بروز ظاهرة أطفال الشوارع هي نفسها المتحكمة في ظاهرة الانحراف عند الأحداث، وبالتالي فان استفحالها يؤدي مع الوقت إلى وقوع الأطفال في الانحراف والجريمة.

