الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن من مقاصد هذا الدين الحنيف الحفاظ على الكليات الخمس، وهى الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وجاء لكل واحد منها تشريعات وأحكام خاصة به.
فالإسلام حافظ على النفس من خلال عدة أمور، منها الحفاظ على صحة الإنسان وحمايته من كل ما يسبب له الضرر في جسمه.
ولهذا جاءت النصوص القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة مبينة ما يحل وما يحرم من الأطعمة والأشربة، ووضعت لذلك قاعدة عظيمة، وهي إباحة كل الطيبات وتحريم كل الخبائث، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِث﴾[1] .
وقال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [2].
ومن يتتبع نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية يجد أن الغذاء مرتبط بأحد أهم الضرورات الخمس وهى حفظ النفس؛ ومن هنا كان اهتمام الإسلام بالغذاء اهتمامًا كبيرًا. ولما كان حفظ النفس أحد الضرورات الخمس اهتم الإسلام بالوسائل التي تؤدي إلى اكتمال صحة الإنسان، كالاهتمام بالغذاء الصحي الكامل، والأخذ بأسباب الوقاية، والمبادرة إلى سبل العلاج السليمة إذا ما وقع المرض، ونهى عن كل ما يلحق ضررًا بصحة الإنسان، وكل ذلك من أجل الحفاظ على النفس البشرية.
ومن أهم الأطعمة التي يحتاجها الإنسان لحياته لحوم الطيور والحيوانات، ومنها لحوم الجلالة، سواء أكانت من الإبل أو البقر أو الغنم أو الطير. وبسبب تعدد أجناسها باتت الحاجة ماسة إلى معرفة حكم تناول لحمها ولبنها وبيضها، ولاسيما بعد ما أصبحت النجاسات تدخل في أعلاف بعض الحيوانات والطيور. ولذا جاء هذا البحث تحت عنوان: الجلالة وأحكامها في الفقه الإسلامي.
أسباب اختيار الموضوع:
يمكن تلخيص أسباب اختيار هذا الموضوع في الآتي:
- ندرة الدراسات الخاصة بأحكام الجلالة.
- بيان التطبيقات الفقهية المعاصرة لأحكام الجلالة وبيان تكييفها الفقهي.
- محاولة الكشف عن منهج الإسلام في علاج بعض النوازل الطبية المعاصرة.
الدراسات السابقة:
وقفت على دراسة لها صلة بموضوع البحث، وهى "النجاسات المختلطة بالأعلاف".
وهى بحث فقهي إعداد الدكتور محمد عثمان شبير، مقدم لمؤتمر المستجدات الفقهية الأول، جامعة الزرقاء، الأردن. وقد ناقش أحكام الأعلاف المختلطة بالنجاسات. ويشترك هذا البحث وبحثي "الجلالة وأحكامها في الفقه الإسلامي" في أن الجلالة تتغذى على النجاسات أو قد يكون في أعلافها نجاسات. ولكنه لم يتعرض لأحكام الجلالة تفصيلاً كما يحاول هذا البحث.
منهج الدراسة:
تعتمد الدراسة المنهج الاستقرائى فى استقراء تعريفات الجلالة وأحكامها وتطبيقاتها. مع مراعاة:
- تأصيل المفاهيم الأساسية للموضوع.
- اعتماد المصادر والمراجع الأصلية في العزو.
- عزو الآيات إلى مواطنها في القرآن بذكر اسم السورة، ورقم الآية.
- تخريج الأحاديث النبوية من مراجعها الأصلية، وبيان درجتها صحة وضعفًا.
محتوى الدراسة:
تحتوى الدراسة على: مقدمة، ومبحثين، وخاتمة، وقائمة المصادر.
- المقدمة: وتضم أسباب اختيار الموضوع، والدراسات السابقة، ومنهج الدراسة ومحتواها.
- المبحث الأول: تعرف الجلالة وأحكامها:
- المطلب الأول: تعرف الجلالة لغة واصطلاحًا.
- المطلب الثاني: أحكام الجلالة.
- المبحث الثاني: الجلالة وتطبيقاتها المعاصرة:
- المطلب الأول: الجلالة وجنون البقر.
- المطلب الثاني: حكم لحوم الحيوانات التي تعلف بأعلاف متنجسة.
- المطلب الثالث: اجتهادات معاصرة في الجلالة.
- الخاتمة.
- قائمة المصادر والمراجع.
النتائج:
بعد البحث في الموضوع قد توصلت إلى نتائج وتوصيات، كالآتي:
- الجلالة هي الحيوانات التي دأبت علي أكل العذرة من الإبل والبقر والغنم والدجاج والأوز وغيرها ويلحق بها كل ما أكل النجاسات والمستقذرات. ويُلحق بالنجاسات والمستقذرات مخلفات وإخراجات الحيوانات الأخري.
- اختلف الفقهاء في حكم أكل لحم الجلالة، والراجح ما ذهب إليه جمهور الحنفية والشافعية من القول بكراهة لحوم الجلالة؛ لأنه إذا كان الغالب من أكلها النجاسات يتغير لحمها.
- يجوز أكل الجلالة إِذا منع عنها الطعام النجس وأطعمت الطعام الطاهر مدة يتغير فيها لحمها ويتحول إِلى لحم طيب طاهر.
- تفتقت بعض أذهان الشياطين عن فكرة تغذية الأغنام والماشية والدواجن بفضلات من الدماء والشحوم والأحشاء ومساحيق العظام، بالإضافة إلي أعداد من الهرمونات البروتينات الحيوانية طمعًا في زيادة إنتاجها من اللحوم والألبان والبيض مما نتج عنه انتشار عدد من الأمراض المستعصية كمرض جنون البقر.
- الحيوانات التي تعلف بعلف يحتوي على مواد نجسة وكذلك العقاقير الطبية، إذا كانت تلك الأطعمة والعقاقير ضارة بالإنسان، بحيث تصيبه بالأمراض مثلًا حرم إطعامها، وحرم أكله.
- يتعين على من بيده الأمر مراقبة ما يضاف إلى الأعلاف من مواد ( كالهرمونات والمضادات الحيوية) قد يكون لها أثر مضر على الصحة العامة، وذلك بالحرص على ضبط المقادير الضرورية منها.
- حديث الجلالة الذي نطق به رسول الله صلي الله عليه وسلم من قبل1400 سنة في بيئة لم يكن لها حظ من المعرفة العلمية قد ثبتت صحته في زماننا هذا؛ مما يشهد له بالنبوة وبأنه كان موصولاً بالوحي، ومعلَّمًا من قبل خالق السماوات والأرض.
التوصيات:
توصي الدراسة بأنه يجب توعية الناس بالأمور الآتية:
- يجب أن توضع كل الحيوانات التي تتغذى على النفايات والقاذورات والنجاسات توضع موضع الجلالة لعموم الحديث. ويجب على علماء التغذية تحري حقيقة ومكونات الأعلاف، والبحث عن مصدرها والتأكد من سلامتها، وإن كان بها أثر نجاسة أو أثر خنزير أو ميتة كبعض المساحيق المستوردة، ويجب على علماء الشريعة أن يتخذوا منها موقفًا شرعيًا واضحًا.
- عدم استعمال العلف البروتيني الحيواني كغذاء للمواشي، والاقتصار حصرًا على العلف النباتي والأعشاب كما ورد أعلاه في التوجيهات الإسلامية.
- مراقبة ما يضاف إلى الأعلاف من مواد قد تكون مضرة بالصحة العامة، وضبط المقادير الضرورية منها.
- يجب على أُولى الأمر عقد ندوات توعية تُبين للعامة خطورة تناول الحيوانات النجاسات والقاذورات، وسبل معالجة ذلك.
[1] الأعراف: 157
[2] البقرة: 168

