التعريف بالبحث وأهميته والمنهج المستخدم فى إعداده
شغل التفكير في الأمور الغيبية و الدين عقول البشر - خاصة الفلاسفة - منذ اقدم العصور وحتى العصر الحاضر فكثيرا ما أخضع الفلاسفة الدين لحدود العقل ومعاييره الصارمة فيقبلون ما يتفق منه مع تلك الحدود ويطرحون جانبا ما يتنافى مع مبادئ العقل وأولياته. وقد دفع هؤلاء الفلاسفة من راحتهم وحريتهم وأحيانا قدموا أرواحهم ذاتها ثمنا لجرأتهم العقلية، تلك الجرأة التي تقوض أركان التصورات الشعبية والخرافية والأسطورية عن الدين.
وتدهشنا الديانة اليونانية بهذا التنوع الكبير لآلهتها : فالآلهة اليونانية تملأ ما فوق الأرض بحدودها المعروفة للإنسان : شمالا وجنوبا ، شرقا وغربا , وهى توجد أيضا أسفل الأرض ، وفى الماء والهواء والكهوف والأشجار : فكل شىء مفعم بالآلهة.
وقد عبد اليونان كل شىء تقريبا : الجبال والمغارات والأعداد والأشجار والشمس والقمر والنجوم والماعز والأفاعي والثيران ، والآلهة على شكل إنسان أو على شكل حيوان أو تلك التي تتركب من نصف إنسان ونصف حيوان وهذه الآلهة منها الذكور ومنها الإناث.
وما كان من الآلهة على صورة البشر فهو أعظمها ِشأنا والفارق بينها وبين البشر ما هو إلا فارق في الدرجة فهى أقوى من الإنسان وبإمكانها تحقيق كل ما يعجز الإنسان عن تحقيقه ؛ فما هو موجود في البشر على نحو ناقص هو لدى الآلهة على نحو كامل وكأنها مجرد صورة مكبرة للإنسان في العقل ، لذلك قيل : " أنه إذا كانت الأساطير تقول بأن الآلهة قد خلقت البشر فما كان من البشر سوي أن قاموا برد الجميل ."
وكان اليوناني يجد في العمل على استرضاء هذه الآلهة فيقدم لها طقوسا لا حصر لها من الصلوات والتضحيات والعبادات والرموز ، ولم يكن هناك عقيدة واحدة ولا شعائر سائدة بل كان التنوع الهائل يغلب على كل العبادات والطقوس والمعتقدات من عصر إلى عصر ومن مكان إلى مكان ومن طبقة إلى طبقة بل ومن عائلة إلى أخرى.
وقد نشأت الحكايات عن الآلهة وأفعالها وهو ما يطلق عليه مصطلح الأسطورة ، وقد ظلت العلاقة بين الدين والأسطورة اليونانية تثير حيرة العقول المفكرة وتثير حيرة الفلاسفة ؛ فهذة الحكايات الفاضحة والمشينة تظهر الآلهة في غرامياتهم وصراعاتهم وتدنيهم الأخلاقي : لصوصا وغواة ومخادعين وزناه، فكيف يمكن التوفيق بين هذه الأساطير وبين ما يستلزمه تصور الألوهية من الكمال في كل شىء والذي ينبغي أن تقوم عليه الديانة . لقد نسب الشعراء ، من أمثال هوميروس وهزيود ، الذين مجدهما اليونانيون ، إلى الآلهة كل نقيصة ، وقد أضحت الأساطير عقيدة اليونان وأديانهم وآدابهم وتاريخهم جميعا.
وإزاء هذا العالم المتعدد الأشكال والمتنوع الاتجاهات ، الملئ بالأساطير والخرافات ، ستقوم الفلسفة بدورها المنوط بها ، وسيقوم العقل الحر بتقويض هذا العالم الذي ما يلبث أن ينهار في النهاية تحت تأثير ضربات العقول المفكرة والحرة.
وقد تكررت إشكالية التعارض بين الدين والفلسفة في العصور المتتالية للفلسفة اليونانية وكانت آراء فلاسفة اليونان وأفكارهم هي التي ألهمت المفكرين الأحرار في كل عصر من العصور وحتى وقتنا الراهن . ومن أبرز هذه العصور عصر االتنوير الأوربي ، في القرن الثامن عشر ، وفى أحيان كثيرة نجد مفكرى عصر التنوير يرددون الكلمات نفسها التي قالها من قبلهم ، بقرون عديدة ، فلاسفة اليونان . وهذا التاثير لفلاسفة اليونان مازال مستمر وفاعلا حتى وقتنا الحاضر الأمر الذى يدل على الأهمية البالغة لموضوع هذا البحث.
تساؤلات الدراسة:
ولعل كل ما تقدم هو ما دفعني إلى اختيار هذا الموضوع حول التعارض بين الدين والفلسفة اليونانية محاولا صياغة إشكالية هذا البحث من خلال الإجابة عن بعض التساؤلات الأولية التالية:
- ما هى مواقف فلاسفة اليونان إزاء قضية التعارض بين الدين والفلسفة ، كيف تنوعت مذاهبهم وكيف تعددت ؟ ما الدوافع التي دفعت هذا الفيلسوف أو ذاك لاعتناق مذهبه ؟ وما هى الخلفيات السياسية والاجتماعية والتاريخية والتي أثرت في مواقف الفلاسفة وشكلت آراءهم حول قضية التعارض بين الدين والفلسفة ؟.
- هل تعتبر آراء فلاسفة اليونان حول تفسير الوجود وعلته وأصله وكتاباتهم عن عالم الروح وطبيعة الآلهة ثورة عقلية تنويرية آمنت بالعقل وعملت لخير الإنسان وتحريره من الخرافات والأوهام أم أن مباحث الفلسفة اليونانية ، من طاليس إلى أفلوطين ، ما هي إلا مجرد تهذيب أو تنقيح للفكر الدينى الموروث ومن ثم تعد الفلسفة خادمة للدين ؟
- هل يمكن فصل الفكر الفلسفي عن الفكر الديني اليوناني ومن ثم عن النسيج الأسطوري الذى انبثق منه ؟ وبعبارة أخرى : هل يمكن قيام علم عقلي خالص من كل شائبة دينية ؟ وهل يمكن لدين أن يستغني استغناء مطلقا عن أنوار العقل ؟.
- ما الصورة التي اتخذها التعارض بين الدين والفلسفة اليونانية ؟ هل كان تعارضا بين سلطة وسلطة : سلطة العقل وسلطة الدين ، أم كان بين رجال ورجال : دعاة عقل وكهنة دين ؟ وما هو الدور الذى لعبته السياسة في هذا النزاع ؟ هل ساندت السلطة السياسية رجال الدين والدهماء كما هو شانها دائما في كل زمان ومكان ؟ أم كان لها في بلاد اليونان – حيث نشأت الديمقراطية لأول مرة في العالم – موقف مختلف واتجاه مغاير ؟
ومن أجل الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها سوف أقوم بتقسيم الدراسة إلى ثلاثة أبواب تسبقها المقدمة و تمهيد وتذيلها الخاتمة ثم قائمة المصادر والمراجع.
وفى المقدمة سأبين أهمية الدراسة والغرض منها وسبب اختيار الموضوع وتقسيمه والمنهج المستخدم في الدراسة.
وفى التمهيد سوف أحاول تحديد المواقف الأساس الممكنة والتى يمكن أن يتخذها الفلاسفة إزاء قضية الدين والألوهية. فإذا حاولنا تحليل هذه المواقف وجدناها تنقسم إلى أقسام أربعة:
القسم الأول : المتقبلون للألوهية على ما هى عليه في صورتها الشعبية والميثولوجية , وعلى ماهى عليه من تناقضات صارخة ؛ فلا يهم هؤلاء أن تكون الآلهة من ابتداع خيال الشعراء أو أن تكون هى التي ألهمت هؤلاء الشعراء صفاتها وخصائصها وحكاياتها وأنسابها ؛ ولايعنيها أن تكون الآلهة مجسدة في أى صورة كانت بشرية ام غير بشرية ولا هى تعكر صفوها بطرح أسئلة من قبيل : كيف ترتكب الآلهة كل هذه الموبقات ثم هى تأمر متبعيها بأن يسلكوا مسلك الأتقياء الأنقياء ؟.
القسم الثانى : المصلحون :
وهؤلاء هم الذين اهمهم تقديم اجابات ترضى العقل وتحاول تنزيه الإله تنزيها عقلياعن كل ما يشوب قداسته كما نجد ذلك عند اكسزينوفان وانكساجوراس وأرسطو وأفلوطين وغيرهم .

