ورقة عمل حول مجالات التنمية الثقافية المأمولة لطلاب الجامعات المصرية تم نشرها بالمؤتمر العلمي العربي الثالث عشر ( الدولي العاشر ) التربية والتنمية الثقافية في مواجهة تحديات الواقع العربي ومتغيرات العصر والذي نظمته : جمعية الثقافة من أجل التنمية بالتعاون مع أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا وبالاشتراك مع جامعة سوهاج أيام 24- 25 أبريل 2019 م

إعداد أ.د / محمد الأصمعي محروس أستاذ متفرغ بقسم أصول التربية – كلية التربية – جامعة سوهاج

محتويات الورقة البحثية - تضمنت هذه الورقة البحثية العناصر التالية :

- واقع الثقافة وضرورة تنميتها لدي الطلاب : الثقافة فعل مركزى له قلب وعقل ومكان ، ومن خلال هذه الأمور الثلاثة تتحرك الثقافة , فى صورة قوافل وروافد وقنوات لتشمل كل مناشط الحياة ، ومن خلاها أيضاً يصل مجتمعنا الى شاطئ الاستقرار ، وإتاحة الفرص لطلاب جامعاتنا للوصول إلي مراتب المثقفين والمبدعين الحالمين بمستقبل أفضل وأكثر استقرارا لوطننا العزيز ، لكن الواقع الثقافى لدي طلاب مؤسسات التعليم العالي يتميز الآن بوجود أزمة حادة في الكوادر الشابة المثقفة ، كما يعاني ضعفاً ، امتداداً لما حدث فى العقود الاخيرة من القرن الماضي ، مثل انهيار المنظومة الثقافية وغياب دور الجامعة التثقيفى ، فالآن لدينا جامعات صماء عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الخبرات الثقافية لطلابها ، رغم أن التثقيف يُعد أحد وأهم أسس الإعداد للحياة ، ومن ثم فنحن نعاني فقراً ثقافياً لدي الشباب الجامعي ، والأدلة علي ذلك كثيرة ومتمايزة مثل عدم احترام قواعد وقوانين المرور، والفهلوة وانتشار المحسوبية والرشوة ، وتجاهل فكرة المواطنة والحقوق الدستورية : إن مثل هذه المشكلات ترجع إلى نقص شديد فى أدوار الجامعة تجاه التنمية الثقافية لدي طلابها ، وهى سلوكيات تحتاج إلى إعادة تثقيف وتوجيه وتأهيل للطالب الجامعي كما تواجه الحياة الجامعية لدي الطلاب العديد من القضايا الثقافية ، والتى تحتاج من كافة التنظيمات المجتمعية شراكة من أجل التصدى لمواجهتها ، فقد بدأت الفجوات الثقافية والمهنية تظهر بين الأجيال ، فهناك أجيال أصبح فى مقدورها أن تكتسب معارف ومهارات تساعدها على التكيف مع التغيرات الثقافية المعاصرة وتؤهلها للتعامل معها ، بعكس الجيل الأكبر الذى يفتقد لمثل هذه المهارات ، وتظهر هنا أهمية التنظيمات المجتمعية فى التنمية الثقافية والمهنية لهذا الجيل الأكبر(1) . ومن المتعارف عليه أن الثقافة تمثل قيم ومعتقدات ونتاجات الأفراد المادية واللامادية، وهى تمثل مجمل طريقة حياة الأفراد والجماعات بجوانبها المادية واللامادية فى المجتمع ، والثقافة تشمل مختلف مناشط الحياة مثل اللغة وطرق المعيشة وطرق التفكير وغيرها . ويمكن تلخيص تعريفات الثقافة حول النسيج الكلى الذى يشتمل على الاعتقاد والمعرفة والفن والأخلاق والقانون والعادة، وكل القدرات التى يكتسبها الطالب الجامعي بوصفه عضواً فى المجتمع، والثقافة تتألف من أنماط ظاهرة ومتضمنة للرموز التى تعبر عن الإنجازات المتميزة للجماعات الطالب الجامعيية ، بما فى ذلك من تجسيد لهذه الرموز فى أشياء مصنوعة. والثقافة هى "مجموعة النشاط الفكرى والفنى فى معناها الواسع وما يتصل بهما من مهارات وما يعيش عليها من وسائل ، فالثقافة موصولة بمجمل الأنشطة الاجتماعية الأخرى مؤثرة فيها ومتأثرة بها، معينة عليها ، ومستعينة بها، ليتحقق بذلك المضمون الواسع للثقافة متمثلاً فى تقويم شامل للمجتمع فى كل جوانب سعيه الحضارى إنتاجاً وارتفاعاً وأخذاً وعطاءاً فى تفاعل خصب وعطاء متجدد . والثقافة هى "مجمل التراث الاجتماعى، وهى أسلوب حياة المجتمع التى تنظم حاجاته الاجتماعية وعلاقات الأفراد مع مجتمعهم ومع غيرهم من المجتمعات"، وتتناقل الأجيال المتعاقبة التراث الثقافى عن طريق الاتصال والتفاعل الاجتماعى وعن طريق الخبرة بشئون الحياة والممارسة لها. والثقافة هى كل ما صنعه المجتمع واكتشفه، وهو يواجه مشكلاته التى صادفته وهو ينشط سلوكياً وتفاعلياً لإشباع حاجاته الحيوية والنفسية والاجتماعية والعقلية. وهناك نظرات أخرى فى الثقافة منها أن الثقافة هى كل عضوى يتمثل فى طريقة الحياة فى المجتمع، والثقافة هى مجموعة مختلفة من ألوان السلوك وأسلوب التفكير والتوافق فى الحياة وتدخل فى ذلك المعارف والمهارات والاتجاهات والتوقعات التى يكتسبها أفراد المجتمع ويتناقلونها كما هى أو يعدلون فيها وفق تغيير الظروف(2) . كما لخص (حامد عمار)(3) هذه التعريفات والتحديدات للثقافة فى أنها تتفق جميعاً على جانبين هامين من ركائز الثقافة : أولهما أنها كل ما يصنعه الطالب الجامعي أو يقننه أو يتواضع عليه من أسلوب للحياة ومعداتها وأدواتها وعلاقاتها وأنماط التعامل والقيم التى ينبغى أن تسود فى الأخذ والعطاء بين أفراد مجتمع من المجتمعات . والجانب الثانى أن هذا الرصيد مما يصنعه الطالب الجامعي هو من الأمور التى تتناقلها الأجيال عن طريق التعليم والممارسة وأساليب التنشئة الاجتماعية المختلفة ، كما أن هذا الرصيد الثقافى قابل للتعديل والتطوير، ومن ثم فإن هذا الرصيد الثقافى قابل للتنمية . وإذا كانت الثقافة سمةً من سمات المجتمع، فإن تنمية هذه الثقافة تعتبر ضرورية فى تطور هذا المجتمع ، بما يواكب تغير المطالب الاجتماعية والإمكانات المادية المتاحة وحاجات المجتمع المتغيرة . - مجالات التنمية الثقافية لطلاب الجامعات المصرية : تعتبر التربية – من خلال وسائطها المختلفة- أداة نقل وتنمية للتراث الثقافى، وموقف التنمية للتراث الثقافى ليس واحداً فى جميع عناصر الثقافة، فتنمية عموميات الثقافة لا يكون بدرجة التنمية فى خصوصياتها ، ففى عموميات الثقافة تتردد التوجهات التربوية المتضمنة فى التنمية المنشودة قبل إفساح المجال لأى تعديل أو تجديد أو تنمية فى الثقافة ، بينما فى خصوصيات الثقافة فإن التنمية فى عناصرها تكون أكثر حرية ، فالثقافة تنمى من أطرافها وتتطور وتتجدد حسب شدة تأثير التوجهات التربوية المتضمنة فى التنمية المجتمعية . وفى هذا المجال يرى (سعيد إسماعيل على)(4) أن التعليم له أهمية قصوى بالنسبة للثقافة ، وقد سارت العلاقة بينهما على نهج يجعل من صحة التعليم سبيلاً أساسياً للصحة الثقافية ، ويتبدى هذا من خلال بعض النظرات إلى الواقع التعليمى فى مصر وتداعياتها الثقافية، فالتنوع الثقافى أمر مرغوب ونهج محمود، ولكنه محكوم بقاعدة ، وإذا اختل ميزان العمل بها فلربما أساء وأنبت مظاهر تشرزم وفرقة، وتلك القاعدة تقول بأنه كلما اقتربنا من الأصول والجذور، فالأفضل هو التجانس والوحدة ، وكلما بعدنا فى الفروع صح التعدد والتنوع . وهكذا فإن تحديث المجتمع المصري وما يتضمنه من عمليات تربوية متكاملة ومن توجهات ثقافية معاصرة فى هذا المجال يمكن أن يساهم فى "تنمية" الثقافة حتى تساير التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التى تطرأ على المجتمع المصري، وتعمل التنمية الثقافية على تقبل التجديد الثقافى بحيث يصبح الأفراد بمهاراتهم ومعارفهم ضمن عوامل التجديد والتقدم الثقافى فى المجتمع، كما تساعد عمليات التنمية الثقافية أفراد الطالب الجامعي على فهم أسباب التغيرات الثقافية وغاياتها فى المجتمع المصري، والنتائج التى تؤدى إليها ، وأن يكشف لهم ما فى عناصر ثقافاتهم الحالية من مواطن قصور ونواحى ضعف، وما يجب تجديده وتنميته فى عناصر ثقافاتهم حتى تتمشى وتواكب التغير فى المطالب الاجتماعية وسياسات المجتمع المصري الاقتصادية وما طرأ من تطورات مجتمعية . ويحتاج الطالب الجامعي إلى ثقافات متجددة ، وفي مجالات متمايزة ، وقد لا يحصل عليها من مؤسسات التعليم النظامية قبل الجامعية ، حيث لم تعد كافية لتنمية تلك الثقافات المتجددة ومن ثم يجب أن تتبنى مؤسساتنا التعليمية العالية هذه التنمية الثقافية ، وفضلاً عن ذلك فإن ما يشهده العالم المعاصر اليوم من تطور هائل ومستمر فى مجال العلم والمعرفة يفرض مشاركة الجامعات فى تقديم خدمات ثقافية ومهنية للأفراد فى المجتمع المصري من أجل مواكبة هذا التطور ، ومن أجل إحداث تنمية ثقافية ومهنية لهؤلاء الشباب المصري . كما تتضمن مجالات التنمية الثقافية أيضاً ما يعرف بعملية تنمية الثقافة السياسية من خلال إكساب الطالب المصري القيم والأفكار والمعلومات والاتجاهات الإيجابية التى تتصل بالنسق السياسى للمجتمع المصري الذى يعيش فيه الطالب ، إلى جانب مساعدة هذا الطالب على المشاركة بإيجابية فى الحياة السياسية حاضراً ومستقبلاً(5) . وتتسع التنمية الثقافية فى مجال الثقافة السياسية لتجعل الطالب المصري على دراية بمختلف القضايا والاتجاهات السياسية المحلية والعالمية المعاصرة وكيفية التعامل معها ، فضلاً عن اهتمام الثقافة السياسية بمساعدة الطالب المصري على بناء هويته المستقلة على نحو يسمح له بالتعبير عن ذاته ، وإعداده للقيام بأدواره المختلفة وذلك عن طريق مختلف الوسائط والمؤسسات المجتمعية(6). كما تسعى الثقافة السياسية إلى تحقيق درجة عالية من فهم القضايا السياسية بما يمكن الطالب من إدراك أبعادها وتحديد دوره تجاهها ومدى مشاركته فى أحداثها(7) . كما أن هناك خلل فى تصور الطالب الجامعي المصري إلى مشكلات بيئته ، فالتلوث البيئى مشكلة ، واستنزاف موارد البيئة مشكلة ، واختلال التوازن الطبيعى للبيئة مشكلة ، إنها مشكلات صنعها الطالب الجامعي فى البيئة ، وعليه اليوم أن يواجهها ويتغلب عليها ، وقبل ذلك، عليه أن يفهمها ، ومن أجل ذلك ظهر ما يسمى بالتربية البيئية ، والتى هى عملية تكوين القيم والاتجاهات والمهارات والمدركات اللازمة لفهم وتقدير العلاقات التى تربط الطالب الجامعي وحضارته بالبيئة التى يحيا فيها وتوضح حتمية المحافظة على موارد البيئة ، وضرورة حسن استغلالها لصالح الطالب الجامعي وحفاظاً على حياته الكريمة ورفع مستويات معيشته(8). ومن ثم أصبح مجال تنمية الثقافة البيئية لدي طلاب الجامعة مطلباً ملحاً لأن مشكلات البيئة أصبحت قضية حيوية ، وينظر إليها كأخطر المشكلات والقضايا العالمية بالنسبة لمختلف الشعوب فى الوقت الراهن . كما أصبحت البيئة قضية حيوية ومنظورة من الكثيرين من العلماء والمفكرين ورجال الإعلام والصحافة والمؤسسات المجتمعية(9). كما يعتبر التلوث من أهم مشكلات البيئة فى الوطن المصري فى الفترة الأخيرة نتيجة التوسع فى التصنيع، واستخدام الميكنة الحديثة فى الكثير من مجالات الحياة ، ولقد كان للبلدان العربية حظها من المشكلات البيئية وعلى الأخص مشكلات التلوث البيئى(10)، وقد أضحى الاهتمام بتنمية ثقافية مطلباً ملحاً فى مقاومة التلوث السمعى، والضوضاء فى مختلف المدن العربية ، ومواجهة ارتفاع درجات تلوث مياه النيل والبحيرات بمخلفات المصانع والمنازل . ويذكر (جلال أمين)(11) أن التلوث لم يترك أى عنصر من عناصر البيئة ، إلا وقد أصابه وأثر فيها بصورة سيئة ، كما أدى هذا التلوث إلى القضاء على الكثير من مظاهر الجمال المحيطة بالطالب الجامعي ولمواجهة هذه القضايا البيئية يحتاج المرء إلى تنمية ثقافية دائمة فى هذا المجال . ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل إن هناك مشكلات أخرى بيئية مثل استنزاف الموارد الطبيعية فى الوطن المصري وتجريف التربة والزحف العمرانى المستمر على الأراضى الزراعية وظهور العشوائيات فى مختلف أنحاء الوطن المصري، وإلقاء المخلفات الصناعية بشكل يؤدى إلى إحداث الضرر بصحة الطالب الجامعي(12). ونتيجة لتعدد المشكلات البيئية وتنوعها وتزايد أخطارها على صحة الطالب الجامعي يلزم تنمية ثقافية بيئية تزيد من وعى الطالب الجامعي المصري بالكثير من الأمور البيئية وتهيمن على سلوكه من أجل المحافظة على البيئة العربية وتقليل عوامل تلويثها (13) . وتشغل المشكلة السكانية فى الوقت الحالى اهتمام المجتمع المصري ، وتوليها المنظمات المجتمعية القومية والعالمية عناية كبيرة ، خاصة فى البلدان الفقيرة من منظور أن الزيادة السكانية تتسبب فى مشكلات مجتمعية عديدة مثل اختناق المدن ونفاذ الموارد(14). كما تؤدى المشكلة السكانية إلى خلل فى معدلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، كما تؤدى هذه المشكلة إلى انخفاض مستوى المعيشة بالنسبة للطالب والمجتمع على السواء ، ويؤدى هذا كله إلى مزيد من التخلف وعدم القدرة على مسايرة التطورات المعاصرة( 15). وقد ترتب على وجود هذه المشكلة السكانية فى المجتمع المصري عدة نتائج سلبية منها انخفاض حجم الصادرات فى مقابل زيادة حجم الواردات من الخارج فى السلع المعيشية كالقمح والسكر والألبان وغيرها وتدنى مستوى التعليم وسوء توزيع الخدمات التعليمية وارتفاع كثافة الفصول الدراسية، وتدنى الأوضاع الصحية لدى الكثيرين من أفراد المجتمع المصري ، إضافة إلى زيادة معدلات التلوث البيئى فى المجتمع المصري نتيجة استخدام البشر غير الرشيد للمرافق والخلل فى سوق العمل والعمالة واضح وجلى ، وتبرز هنا أهمية التنمية الثقافية فى هذا المجال ، فهناك ضرورة حتمية فى تنمية ثقافية فاعلة للطلاب من أجل الوعى بنتائج المشكلة السكانية وخطورتها فى المستقبل القريب فى المجتمع المصري . ويظهر مجال تنمية ثقافة الترويح كمطلب ملح من متطلبات التنمية الثقافية للطلاب فى المجتمع المصري ، فمفهوم "الترويح" (Recreation) من المفاهيم الهامة والتى نالت اهتماماً واسعاً فى السنوات الأخيرة نتيجة طغيان المدنية وزيادة حدة التسابق بين الأفراد نحو الوصول إلى مستويات مادية واجتماعية متقدمة عن الآخرين . والترويح عن النفس والخلود إلى الراحة بعض الوقت مطلب بشرى فى مختلف المهن وفى سائر الأعمال لما له من آثار نفسية واجتماعية على البشر وما يؤديه الترويح من راحة تؤدى إلى الارتقاء بمستوى العمل ، والترويح يقصد به النشاط البناء الذى يمارسه الطالب فى وقت فراغه وبدوافع شخصية ، سواء أكان هذا النشاط رياضياً ، أو تثقيفياً، أو غير ذلك، وسواء تم هذا بشكل فردى أم بشكل جماعى، من أجل إدخال السرور وتحقيق السعادة الشخصية والاطمئنان النفسى للطالب الذى يمارس هذا النشاط الترويحى ، ويرتبط النشاط الترويحى ارتباطاً وثيقاً بوقت الفراغ، ومن ثم فالنشاط الترويحى مرتبط وبشدة بوقت النشاط الحر الذى يكون تحت التصرف الكامل للطالب بعد أن يكون قد أدى محاضراته وواجباته(16). وينظر إلى الأنشطة والخدمات الترويحية على أنها أنشطة مفيدة لقضاء وقت الفراغ ووسيلة لاكتساب الطالب السعادة وإشباع الحاجات النفسية بما يدعم شخصية الطالب ويزيد من كفاءته المهنية والإنتاجية فى المجتمع المصري . ولتحقيق هذه المنافع من الأنشطة الترويحية يحتاج الطالب الجامعي المصري إلى تنمية ثقافة الترويح لديه ، يستطيع من خلالها أن يتعود على كيفية اختيار أساليب الترويح المناسبة لقضاء وقت فراغه ، واستثماره أفضل استثمار ممكن ، فالترويح يتطلب ثقافة ترويحية متحررة من قيود العمل ، وفى الوقت نفسه متوافقة مع المعايير والقيم المجتمعية وجوانب الالتزام المتعارف عليها فى المجتمع المصري . وفى مجال آخر من مجالات الاهتمام بالتنمية الثقافية والمهنية ، ونتيجة لعوامل التغير السريع الذى يتناول الحياة لدي الطالب بجوانبها المتعددة والتى تعتبر من أكثر الخصائص التى تتسم بها ظروفنا المعاصرة ، ونتيجة للتطور العلمى وما ينجم عنه من تقنيات وتطورات تكنولوجية عديدة ظهرت مهناً متمايزة فى المتطلبات الوظيفية وفى المهارات المهنية وفى الدخول النقدية ، وأبقى على مهن ذات مهارات ودخول نقدية منخفضة ، وقد أثرت هذه الأمور فى نمط تفكير الطالب الجامعي المصري، وفرضت عليه مهمة قد لا تبدو يسيرة فى توقعاته المهنية تجاه فرص الوظيفة والبطالة ، وفى متطلبات التنمية المهنية التى تُيسر له فرص الحصول على عمل فى سوق العمالة فى المجتمع المصري . والطالب الجامعي يقف حائراً وسط هذا التغير السريع ، فهو من جهة يتم إعداده لمهن محددة تكنولوجياً ومن ثم يكتسب مهارات مهنية محددة بفرص وظيفية وأعمال سادت فترة كبيرة من الزمن فى سوق العمل ، ومن جهة أخرى يفرض على الطالب الجامعي التكيف مع ما يحيط به من مهن فى كافة القطاعات الاقتصادية فى المجتمع ، وعليه أن يعيد هذا الطالب الجامعي عملية التكيف مع تلك المهن الدائمة التغير لكى يجد نوعاً من التوازن بينه وبين ما يطرأ عليه من تغيرات فى البنية الاقتصادية وسلسلتها المهنية فى المجتمع على نحو يمكنه من البقاء والاستمرار كعضو منتج فى مجتمعه . كما أن تنمية ثقافة التسامح لدي طلاب الجامعات تمثل الحصن والملاذ الذى تنطلق منه التطبيقات التربوية والاجتماعية في بناء البشر ، كونها تمثل الاستقرار النفسى للطالب فى تقبل هذه الثقافة ، وبالتالى الإيمان الكامل بها ، مع تسخير كل الطاقات والقابليات والإبداعات الذاتية التي يمتلكها فى سبيل تحقيقها. - نحو تدعيم مجالات التنمية الثقافية لطلاب الجامعات المصرية: تُعد الجامعات الحكومية وغير الحكومية من المؤسسات الرئيسة لإعداد الشباب لمواجهة تحديات المستقبل من خلال تأثرها وتأثيرها في المؤسسات المجتمعية الأخري وتنظيماته المتمايزة ، ومن ثم تُنير الجامعات – أو هكذا يلزم أن يكون – الوسائل والسبل لتنمية ثقافية فعالة لدي طلابها من خلال متطلبات مجتمعية ناجزة ، ومن هذه المتطلبات المجتمعية لتدعيم مجالات التنمية الثقافية لطلاب الجامعات المصرية فى العصر الحالى تزويد المشرفين على الأنشطة الثقافية بخبرات معاصرة حول تفعيل برامج هذه الأنشطة لدى طلاب الجامعة ، فدراسة بعض البرامج التى تقدم من خلال مؤسسة ثقافية أجنبية – مثل الجامعة الأمريكية، والتي نشأت داخل القاهرة وتعمل فى اطار المجتمع المصرى وتلعب دورا مهما فى إعداد وتربية أجيال من أبناء مصر, وخاصة إعدادهم للمساهمة فى تحقيق تنمية داخل المجتمع , والوقوف على كيفية إدارة هذه البرامج (17) . كما أن السعى وراء التعود علي كتابة عمل فني أو مسرحية أو فيلم سينمائى يتطلب جهوداً من هؤلاء المشرفين لتحقيق قدراً أكبر من الاستقرار والطمأنينة بين طلاب جامعاتنا. كما أن هناك حاجة إلي إحداث تغيير ثقافى كبير يتواءم مع التطورات التى تشهدها بلادنا الآن ، وتواكب الحراك السياسى والفكرى المستمر. ومن ثم تأتى أهمية التجديدات الثقافية بهذا المعنى لمواجهة التطرف والإرهاب باعتبارهما فكراً منحرفاً يتطلب مواجهة الفكر بالفكر والرأى بالرأى، وهذا لن يحدث إلا إذا قامت الجامعات المصرية بدور منشود في تنمية الثقافة لدي طلابها . وفي هذا المجال يلزم الدعوة لإشاعة ثقافة التسامح بين طلاب الجامعات المصرية بهدف نبذ الخلاف والتعصب ، والسعي لاحترام آراء الآخرين ، ونشر المحبة والسلم بين الطلاب ، وإكساب مهارات التفاعل الاجتماعي الصحيحة واللجوء إلى لغة الحوار والتفاهم بينهم . وفي هذا المجال أيضاً يلزم الإشارة إلي أن المنهج التربوي القرآني قد أبرز ثقافة التسامح ، وبينها على أسس عدة ، لعل من أهمها – بل والأصل الذي ترجع إليه بقية الأسس- هما أساسان : العلم ، والتسامح . أما العلم فيلاحظ بعد استقراء القرآن الكريم والذي يتحدث عن مفردات العلم مثل المعرفة ، والتعقل ، والتذكر والتدبر، وما يمكن أن يسمي اليوم"الثقافة( 18) . وفي جانب آخر هناك دعوة لتنمية الوعي السياسي لدي طلاب الجامعات من خلال معرفة المتغيرات الثقافية التي تُكون هذا الوعي السياسي ، إضافة إلي معرفة المصادر التي تُسهم في تنميته( 19) . وتنادي هذه الورقة البحثية بدور أكثر فعالية للجامعات المصرية نحو توعية طلابها ثقافياً من خلال مجالات متكاملة تتبناها هذه الجامعات علي أرض الواقع منها : – مجالات التوعية الثقافية الهادفة على مستوى الأقسام والكليات بالجامعات ، علي أن تتشكل لجنة مركزية على مستوى كل جامعة تتولى التخطيط والتنسيق على مدار العام الجامعي لعقد مثل هذه الندوات الثقافية المتمايزة ، وغير المكررة ، وعلي أن تتولى الكليات توفير الإمكانيات من قاعات وأجهزة مع وجود الدعم الكافي من إدارة الجامعة لتدعيم مثل هذه الندوات الثقافية. – إقامة ورش العمل الثقافية على مدار العام الدراسي الجامعي ، علي أن توضح فيها أهداف كل ورشة ، ومكان انعقادها ، مع الالتزام بإقامة مثل هذه الورش واللقاءات الثقافية وسط التجمعات الطلابية ، وفي أوقات متباعدة عن مواعيد امتحانات الطلاب الفصلية . –استضافة الخبراء في مجالات التنمية الثقافية ، مع مراعاة أن تتوافر في الخبير مجموعة من السمات ، لعل من أهمها القدرة على التواصل والتفاعل مع الشباب الجامعي ، وأن يكون له إسهاماته الثقافية المشهورة والمعتدلة في المجتمع . –التنسيق مع وسائل الإعلام والتنظيمات المجتمعية المختلفة والتخطيط معها لعقد الندوات الثقافية واللقاءات التربوية ، مع دعوة القنوات الفضائية والمحلية للمشاركة في تغطية الأحداث والندوات الثقافية بالجامعات المصرية. –إقامة المعسكرات الصيفية لطلاب الجامعات علي أسس محددة ومعلنة بين الطلاب ، ودحرجة التنافسية بينهم للحصول علي فرصة الاشتراك في هذه المعسكرات من خلال جودة البرامج الثقافية المقدمة لهم أثناء إقامتهم في هذه المعسكرات الصيفية . –تفعيل أنشطة الاتحادات الطلابية بالجامعات المصرية ، وعلي وجه الخصوص مجال عمل اللجان الثقافية بهذه الاتحادات ، والتنسيق معها في عقد اللقاءات الثقافية المختلفة ، مع استطلاع آراء الاتحادات حول أهم الجوانب الثقافية التي يرغبون في التوعية من خلالها. – استخدام شبكة الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي في مجالات التنمية الثقافية بين الطلاب من خلال موقع الجامعة ، أو مواقع الكليات ، علي أن يتم نشر مقالات ثقافية لبعض الخبراء في هذا المجال الثقافي من أجل نشر التوعية الثقافية بين طلاب الجامعات المصرية . – توعية أساتذة الجامعة بدورهم في التنمية الثقافية المأمولة لطلاب الجامعات المصرية ، علي أن يتم هذا الأمر من خلال عقد دورات في ذلك المجال من أجل تعريف أعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم بطرق التوعية الثقافية الفعالة للطلاب وكيفية التواصل والتفاعل معهم . –تنظيم المسابقات التنافسية بين طلاب الجامعات المصرية حول كيفية كتابة الأبحاث الثقافية علي أن تقوم كل جامعة بطبع كتيب يتضمن الأبحاث الثقافية المتميزة ، ثم تُوزع على بقية الطلاب بسعر رمزي من أجل أن تُصبح هذه الأبحاث الثقافية إحدي الروافد لتنمية ثقافية مستدامة بين طلاب جامعاتنا المصرية . – تبني الجامعات المصرية خطابات ثقافية تعمل علي بناء نسق فكري مفتوح ومتطور لإرساء قواعد للتنوير الثقافي والعقلانية والمدنية والتعددية والمواطنة لدي طلابها . – المراجع : 1- Grant, N.E. “ Some Problems of Identity and Education Comparative Examination of Multi-cultural Education ” , A Comparative Education , Vol. (33) , No. (1) , 1997, p. 21 2- محى الدين صابر. من قضايا الثقافة العربية المعاصرة. الطبعة الثانية، بيروت: المكتبة العصرية ،1987م ، ص15 3- حامد عمار. التنمية البشرية فى الوطن المصري: المفاهيم- المؤشرات- الأوضاع. القاهرة: سينا للنشر، 1992م ، ص185 4- سعيد إسماعيل على . ثقافة البُعد الواحد. القاهرة: عالم الكتب ، 2003م، ص194. 5- أحمد ثابت. "التنشئة السياسية للطفل المصرى وصورة المستقبل"، سلسلة بحوث سياسية (111) مركز البحوث والدراسات السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة ، أكتوبر1996م ، ص2. 6- السيد سلامة الخميسى. الجامعة والسياسة فى مصر. القاهرة: دار الوفاء للطباعة والنشر ، 2000م ، ص69. 7- حمدى حسن عبد الحميد . "وعى طلاب التعليم العالى ببعض القضايا السياسية والاجتماعية" . مجلة كلية التربية بالزقازيق ، جامعة الزقازيق ، العدد (25) ، يناير 1996م ص 257. 8- سعيد إسماعيل على . فقه التربية ، مدخل إلى العلوم التربوية. القاهرة : دار الفكر المصري ، 2001م ، ص288. 9- عواطف عبد الرحمن . الإعلام المصري وقضايا العولمة . القاهرة: دار المصري للنشر والطباعة ، 1999م ، ص153. 10- محمد عوض عبد السلام . دراسات أسرية وبيئية . كلية التربية ، جامعة الإسكندرية ، 1998م ، ص119. 11- جلال أمين . العولمة والتنمية العربية . بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 1999م ، ص123. 12- عبد المنعم راضى وآخرون . التربية السكانية . القاهرة: المجلس القومى للسكان ، 1998م ، ص67. 13- Ahlberg, M. and Filho, W.L. Environmental Education for Sustainability: Good Environment, Good life. Frankfurt/ M.: Verlag Peter Lang, 1998, p. 300. 14-يوسف شرارة . مشكلات القرن الـ 21 والعلاقات الدولية . القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1997م ، ص55. 15-عزت سامى. "المؤتمر العالمى للسكان والتنمية- نظرة على القضية". مجلة العمل العربية العدد (57) . القاهرة : منظمة العمل العربية ، مكتب العمل المصري ، 1994م ، ص54. 16- Vicherman , R. W. The Economics of Leisure and Recreation , 3rd. ed. London: Mac. Millan Co . , 1995 , p.11. 17- علاء ابراهيم السخاوي . إدارة برامج التنمية الثقافية لطلاب الجامعة الأمريكية في جمهورية مصر العربية . رسالة ماجستير ، قسم التربية المقارنة – كلية التربية ، جامعة كفر الشيخ ، 2011م . 18- السيد عبد الحكيم عبد الله . التسامح والإخاء الإنساني في الإسلام . بيروت : دار الآفاق العربية ، 2012م ، ص136 . 19- محمد عبدالله محمد الشديدة . الوعي السياسي لطلاب التعليم الجامعي باليمن – دراسة تحليلية ، رسالة دكتوراه ، قسم أصول التربية – معهد الدراسات التربوية ، جامعة القاهرة ، 2013 م .