- مقدمة :

تعتبر قضية تكيف الجسم البشري وأجهزته المختلفة مع ضغوط الحمل البدني من أهم قضايا البحث العلمي في المجال الرياضي ، وتأتي هذه المكانة وتلك الأهمية الكبرى من واقع كون الحمل البدني يمثل الوسيلة الرئيسية للارتقاء بالمستوى البدني والرياضي ، وبالتالي فيما يتعلق بتطوير الصفات البدنية وزيادة فعاليتها في إطار الأداء الرياضي المتكامل ، كذلك من واقع المكانة الاستراتيجية لأهمية تقنين الأحمال التدريبية بالدقة والموضوعية اللازمتين لكل فرد على حدة وفق إمكانياته وقدراته .

وتتضاعف هذه الأهمية أيضاً نظراً للافتقار الشديد للبحث العلمي في هذا المجال ، والذي واكبه نقص وقصور واضح في المراجع المتخصصة وخاصة على المستوى العربي ، والذي نتصور أنه قد يصل لحدود الغياب الكامل رغم الأهمية القصوى والمكانة الكبيرة لمحور التكيف البيولوجي ضمن قضايا البحث العلمي في المجال الرياضي .

وعلى الرغم من التطور الكبير في مجال التدريب الرياضي والعلوم المرتبطة به خلال العقد الأخير من القرن العشرين ، وبالرغم مما حققته البحوث التطبيقية في هذا المجال من طفرة هائلة أسهمت خلالها العلوم الطبية بنصيب وافر في الارتفاع بمستوى صدق وموضوعية نتائجها ، إلا أنه لا زال هناك العديد من الجوانب التي تحتاج إلى مزيد من البحث والتجريب لتفسيرها والبحث عن ما يكتنفها من غموض وأسرار ، وخاصة ما يتعلق منها بردود أفعال أجهزة الجسم البشري وتوقيتاتها في مواجهة ضغوط الحمل التدريبي ، كذلك طبيعة العلاقة بين ردود الأفعال كعمليات حيوية وما يسمى بالسعة التكيفية ، وهى صفة تتميز بالفردية حيث تختلف من شخص لأخر .

  • مصطلح التكيف والتأقلم :

   يعتبر مصطلحا التكيف والتأقلم من المصطلحات شائعة الاستخدام في العلوم الطبية وكذلك في علوم التربية البدنية والرياضية ، وقد ينحصر هذا الاستخدام في الجوانب العلمية فقط دون الجوانب الأخرى المتعلقة باللغة الدارجة أو العامية .

وبالبحث عن مصطلح التكيف نجد أن الألماني " نوكر" (1960 م ) قد عرفه من وجهة نظر التدريب الرياضي بأنه " التغير الحادث لأجهزة الجسم المختلفة والذي يستهدف مستوى أعلى من الكفاءة والناتج عن التعرض لحمل تتعدى درجته مستوى التوازن العادية في جسم الكائن الحي ، وأجهزته المختلفة مما يؤدي إلى اختلال حال التوازن النسبي المشار إليها بصورة تعكس تغلب عمليات الهدم على عمليات البناء مما يتسبب في حدوث التعب وهبوط المستوى"  ويؤدي بالتالي إلى إنجاز مجموعة من العمليات الفسيولوجية والبيوكيميائية خلال فترات الراحة سواء البينية أو الراحة بعد الانتهاء من الحمل بهدف العودة للحالة الطبيعية ، ومن ثم تستمر هذه العمليات بعد العودة للحالة الطبيعية وحتى الوصول لمستوى أعلى من الكفاءة مقارنة بمثيله قبل التعرض للحمل البدني ( التعويض الزائد ) .

ويعتبر مصطلحا التكيف والتأقلم مصطلحين مترادفين في الإشارة إلى التغيرات الحادثة في الجسم ، وأجهزة الحيوية الداخلية نتيجة التعرض لظروف ومتغيرات تتباين مع مثيلتها الطبيعية .

وبالبحث عن مصطلح التأقلم نجد أنه يرجع للغة اللاتينية ويترجم على أنه ذلك التغير المؤقت الحادث كرد فعل لتغيرات الجو والبيئة التي يعيش فيها الفرد  ويعني ذلك أن عملية التعرض للتغيرات الفيزيائية الموجودة في المرتفعات ( الأماكن المرتفعة عن سطح البحر بأكثر من 1500 متر ) تدخل تحت مفهوم ( التأقلم ) ، أما عملية التعرض لهذه الظروف لفترات طويلة فتدخل تحت مفهوم (التكيف) بمعنى أن عملية الإقامة في المرتفعات مثلاً لفترات طويلة تؤدي إلى حدوث تغيرات فسيولوجية مرتبطة تدخل تحت مفهوم عمليات التكيف الميكانيكية .

أي أن الفرق بين المصطلحين ينحصر في الفترة الزمنية التي يتعرض لها الكائن الحي وأجهزته الحيوية الداخلية للتغيرات الفيزيائية الموجودة في الأماكن المرتفعة عن سطح البحر  وكذلك الفترة الزمنية التي تستمر فيها هذه التغيرات  ويتطلب التأقلم هنا عدة أيام ، بينما يتطلب التكيف عدة أسابيع مما يؤكد على أن التدريب في المرتفعات يستهدف الحصول على التكيف وليس التأقلم .

- التوازن بين عمليات الهدم والبناء :-

       يرى علماء الطب الرياضي أن قدرة الكائن الحي على التكيف تمثل في نفس الوقت قدرته على الاستمرار في الحياة ، ويعني ذلك أن غياب هذه القدرة يعيق عملية استمراره في الحياة ويؤثر سلبياً في قدرته على مقاومة الأمراض والتغلب عليها ، ويؤكد على أن التكيف يمثل أهم قوانين الحياة ، كما يضيف أن الإنسان يتمتع في الأحوال العادية بحالة من التوازن بين عمليات الهدم والبناء ، وتسمى في بعض الأحيان " حالة الاستدامة النسبية " التي تتحقق عن طريق مختلف النظم الميكانيكية التي تعمل على تغير كلاً من العوامل الداخلية والخارجية للوصول لحالة الاتزان الداخلي .

       ولقد أسفرت نتائج التعاون المشار غليه سابقاً بين المجال الرياضي والعلوم الطبية عن أهمية مصطلح الاتزان الداخلي والدور الهام الذي يلعبه في الاتقاء بمستوى الأداء البدني والرياضي ، حيث ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن عملية خضوع أجهزة الجسم للأحمال البدنية ذات الشدة العالية تؤدي إلى الإخلال بذلك التوازن ، مما يؤدي بالتالي على تغلب عمليات الهدم على عمليات البناء ، وبما يؤدي أيضاً إلى اختلال في وظائف أجهزة الجسم بما فيها وظائف الهرمونات والأنزيمات وحتى هيكل الخلايا والمواد المصدرة للطاقة كفوسفات الكرياتين والجليكوجين .. إلخ .

       كما أثبت التجارب الطبية البدء الفوري في علميات البناء بعد انتهاء الحمل  بل وخلال فترات الراحة المستحقة " الراحات البينية " بهدف إعادة التوازن مرة أخرى ، ثم الاستمرار في العمليات الفسيولوجية والبيوكيميائية الهادفة للعودة لحالة الطبيعية ، حتى بعد بلوغه نقطة البداية قبل الخضوع لمثيرات الحمل البدني ، حيث يتم سد النقص الحادث في أماكن تخزين الطاقة بكميات أكبر من التي كانت متوفرة قبل الحمل .

- الأساس البيولوجي للتوازن الداخلي :

       يتفق عدد غير قليل من علماء الطب الرياضي على أن استمرارية وجود الكائن الحي على الأرض تستند على ثلاثة عوامل رئيسية على النحو التالي ك

  • الثبات في درجة حرارة الجسم .
  • ثبات كمية السوائل في الجسم .
  • ثبات في قيمة الـ P H .

وتعني قيمة الـ  P H درجة تنظيم وتقنين مستوى الحمضية والقلوية في الجسم ، حيث تشكل قيمة الـ  P H ( 7.0 ) وسطاً حيادياً متعادل ، بمعنى أن هناك توازن تام بين الوسطين الحمضي والقوي ، وتصل تلك القيمة بالنسبة للإنسان عند حدود ( 7.3  حتى 7.4 ) أي أنها تقع في مستوى التوازن مع ميل خفيف على الوسط القلوي ، وفي حالة هبوط هذا المستوى إلى أقل من ( 7.0 ) تكون هناك سيطرة للوسط الحمضي .

وفي حالة هبوط أو زيادة هذا المستوى عن حدود ( 7.40 إلى 7.38 ) في الدم الشرياني ولفترة طويلة يتعرض الفرد للخطورة .

أما فيما يتعلق بدرجة حرارة الجسم فتتميز بالثبات عند درجة 36.5 وحتى 37 درجة ، وبحيث يؤدي هبوط أو ارتفاع درجة الحرارة عن هذا المستوى المثالي إلى تعرض صاحبه للخطر .

وبالنسبة لكمية السوائل في الجسم فتمثل حوالي 68 % من الوزن الكلي له .

وتعكس عملية ثبات العوامل المشار إليها سابقاً استمرارية الحياة البشرية  كما تمثل علمية التوازن الحادثة في تلك المتغيرات ما يسمى بالتوازن النسبي أو التوازن الداخلي ، حيث تسعى أجهزة الجسم جاهدة للمحافظة على هذا التوازن  كما تمثل حالة الإخلال بهذا التوازن اهتزازاً للوظائف الحيوية الثابتة في الجسم .

وبناءاً عليه تؤدي مثيرات الحمل البدني إلى الإخلال بهذا التوازن وتغلب عمليات الهدم على عمليات البناء مما يؤدي في فترة الراحة التي تلي الحمل إلى حدوث عمليات فسيولوجية وبيوكيميائية بهدف العودة للحالة الطبيعية ، ثم زيادة مستوى الطاقة المخزونة عما كانت عليه قبل الحمل ، كانعكاس لارتفاع المستوى ( التعويض الزائد ) .

- علميات الاستشفاء :

       نقصد بعمليات الاستشفاء هنا تلك العمليات البيوفسيولوجية الحادثة كرد فعل لمؤثرات الحمل البدني على الجسم البشري وأجهزته الحيوية الداخلية المختلفة  كما تشكل هذه العمليات أحد الشروط الأساسية لحدوث التكيف البيولوجي ن ولقد أعطى علماء الطب الرياضي لهذه الظاهرة قدراً كبيراً من الاهتمام انعكس في التجارب والبحوث العلمية .

ومعرفة هذه الحقيقة توضح لنا ما يحدث داخل جسم الإنسان أثناء الحمل البدني ، فعلى سبيل المثال تحت تأثير حمل بدني موجه لتحسين عناصر التحمل لدى أحد اللاعبين ، تكون في هذه الحالة المجموعات العضلية المستخدمة واقعة تحت تأثير هذا الحمل ، مما يؤدي بالتالي إلى هدم واحتراق في كمية الجليكوجين المخزون ، ويمثل الحمل البدني في هذه الحالة عملية الهجوم الحادث على جسم الإنسان المشار إليها ، والتي يتم اكتشافها من خلال أجهزة المراقبة شديدة الحساسية ( المستقبلات ) ، حيث يتم الإخلال بحالة التوازن الداخلي التي تحدثنا عنها فيما سبق ، مما يؤدي على تغلب عمليات الهدم على عمليات البناء ، ومما يؤدي بعد ذلك على اتخاذ جميع الإجراءات الفورية واللازمة لإعادة هذا التوازن ن وسد النقص الناتج ، من خلال إنجاز مجموعة من العلميات الفسيولوجية والبيوكيميائية غير الإرادية الهادفة للعودة للحالة الطبيعية .

ومن الغريب أن هذه العمليات الوظيفية لا تتوقف عند سد النقص الناتج عن الحمل  وإنما تظل مستمرة داخل الجسم في فترة الراحة حتى تصل به إلى مستوى أعلى مما كان عليه قبل الخضوع للحمل البدني ، بمعنى أن الثغرة التي حدثت نتيجة استنزاف الطاقة ، قد تم تعويضها واحتواؤها بمستوى يزيد عن الحالة الأصلية التي كانت قبل الحمل .

 

- ضرورة وصول درجة الحمل المستخدمة إلى حد معين :

       يؤدي هذا الشرط على التأثير في درجة التوازن الداخلي ، ويؤكد على الإخلال بها ، وتغلب عمليات الهدم على عمليات البناء ، وتأمين حدوث العمليات البيوفسيولوجية الهادفة لإعادة التوازن ( العودة للحالة الطبيعية ) ، ومن ثم الوصول إلى ما يسمى المثالية في استعادة الشفاء ( التعويض الزائد ) .

- ضرورة الالتزام بمبدأ الزيادة التدريجية في حمل التدريب على مدار السنة :

ولزيادة استيعاب ما سبق استعراضه يمكن لنا تشبيه ما حدث أثناء الحمل خلال عمليات الاستشفاء الناتجة بظاهرة الإصابة بفيروس أو ميكروب معين ، فإذا كان الميكروب أو الفيروس المهاجم لجسم الإنسان ذا قوة معينة كافية لإخلال التوازن النسبي الداخلي الذي سبق الإشارة إليه ، فإن أجهزة المراقبة شديدة الحساسية التي نوهنا عنها فيما سبق ( المستقبلات ) ستسجل هذا الهجوم ، وتبلغ به جهاز المناعة أو أجهزة المقاومة المعنية بهدف التحفز لمهاجمة الميكروب أو الفيروس المهاجم ، والتغلب عليه وطرده ، ثم تكوين المقاومة اللازمة .

وبتحليل هذه المعلومات يتضح لنا اتفاقها التام مع أحداث العملية التدريبية في المجال الرياضي ، وبالتحديد ما يتعلق بتطوير الصفات البدنية ، حيث يمكن تشبيه الحمل البدني الهادف بالميكروب أو الفيروس المهاجم ، وتتفق الأحداث أيضاً فيما يتعلق بالتأثير الناتج في الحاليتين ، والذي يتمثل في الأولى في التعب وهبوط المستوى ، وفي الثانية بالشعور بأعراض المرض وارتفاع درجة الحرارة وبعض الأعراض الأخرى ، وقد تكون الحالة الثانية ناتجة عن تأثير عملية التطعيم مثلاً في مواجهة أحد الأمراض ، حيث يتم استخدام الفيروس أو الميكروب بنسبة ضعيفة للحقن به بهدف استثارة الجهاز المناعي وأجهزة المقاومة المعنية  وتتفق هذه الأحداث مع حالات خضوع الجسم وأجهزته الحيوية الداخلية للحمل البدني ، حيث يكون الهدف أيضاً تأمين حدوث العمليات الفسيولوجية والبيوكيميائية اللازمة للمواجهة وسد النقص والعودة للحالة الطبيعية .

ومن الغريب اتفاق الحالتين على إعادة التوازن الداخلي ، ثم التوصل إلى حالة أفضل نسبياً من الحالة الأولى قبل التعرض للحمل البدني أو لمواجهة الفيروس والميكروب ، وعلى هذه الظاهرة تستند جميع قواعد الارتقاء بالمستوى البدني في المجال الرياضي وبالتحديد فيما يختص بتطوير الصفات البدنية .

- الأسس البيولوجية لعلميات التكيف :

       تستند حياة الكائن الحي على بعض العمليات الحيوية الأساسية مثل عمليات التمثيل الغذائي ( الأيض ) والتكيف والتكاثر الوراثي .

وتتركز أهمية عمليات الأيض ( التمثيل الغذائي ) في بناء المواد الأساسية في الجسم من ناحية وإمداده بالطاقة الضرورية من ناحية أخرى ، ويتبوأ مصطلح التكيف نفس الأهمية من واقع كونه يمثل القدرة على مواجهة الظروف والبيئة المحيطة والتغيرات الحادثة بها ، حيث تتوقف العمليات التدريبية ككل على هذه الظاهرة .

وتشير دراسة المراجع المتاحة إلى خضوع عمليات التكيف المعنية لمجموعة من القواعد والقوانين ، على سبيل المثال تؤدي عملية التغير الوظيفي الخاص إلى تأثير تابع على الشكل العضوي ، بمعنى أن المثيرات ذات الطابع الخاص تؤدي على ردود أفعال في نفس الاتجاه ( التكيف الخاص ) .

       كما تؤكد هذه القواعد أيضاً على ضرورة استخدام المثير ذا الفعالية ، أي المثير التي تصل درجة شدته إلى حد معين يؤمن حدوث ردود الأفعال المستهدفة في الجسم ، أما المثير الضعيف فلا يؤدي إلى حدوث رد الفعل المطلوب ، كما تؤدي عملية تكرار المثير ذا الفعالية ( الحمل ) إلى تأمين استمرارية التأثير في العملية التدريبية ، وتؤدي ردود أفعال العملية التدريبية على ما يلي :

  • استثارة وتنشيط مصادر بناء الطاقة في الخلية .
  • زيادة ومضاعفة تركيبات أحماض البروتين النووي ( مواد نواة الخلية والصفات الوراثية ) .
  • زيادة ومضاعفة بناء البروتينات ( زيادة المقطع الفسيولوجي ) .

ويرى العالم الألماني "هولمان "Holman  (1990 م ) أن هناك علاقة  ما بين جرعة التدريب وحجم الفعالية الناتجة عنه ، ونعني بجرعة التدريب هنا شدة وفترة دوام الحمل ( المثير ) وعدد تكراراته ونوعية الراحات المستخدمة .

ويؤكد هولمان على العلاقة بين الجرعة التدريبية أو كمية التدريب ومستوى التأثير الإيجابي في المستوى ، كما يشير لسرعة استجابة المبتدئين عن المُدربين ، حيث يرى أن تأثير العلمية التدريبية يكون واضحاً لدى غير المدربين  ويشكل منحنى متدرجاً في الزيادة ، بينما يقل هذا التأثير بصورة واضحة كلما ارتفع مستوى الفرد المتدرب وتحسنت حالته التدريبية ، وكذلك تؤدي عملية زيادة الجرعات التدريبية عن مستوى قدرات وإمكانات الفرد المتدرب إلى الإصابة بظاهرة الحمل الزائد .

- خطوات التكيف :

       تخضع عملات التكيف الحادثة للنظام الوظيفي Functions System لنظام وخطوات معينة تبدأ بالتعرض للحمل البدني ( التدريبي ) المؤدي للإخلال بحالة التوازن الداخلي لهذا النظام الوظيفي ، ويؤدي ذلك بطبيعة الحال على استنزاف الطاقة وزيادة في السعة الوظيفية ، وعلى سبيل المثال نلاحظ ارتفاع معدل ضربات القلب وعد مرات التنفس بغرض تأمين الحصول على حجم الأوكسجين المطلوب ، وتعكس هذه الظاهرة ما يسمى بالتنظيم الفوري ، والذي يعبر عن تغيير مطلوب وفي حدود معينة .

ويعتقد أن مصطلح التعويض المؤقت مناسباً ويعود النظام الوظيفي الذي تم التأثير عليه من خلال ضغوط الحمل البدني إلى حالته الطبيعية في أعقاب انتهاء تلك الضغوط وخلال فترات زمنية متباينة ، وتتوقف تلك الفترة الزمنية بصورة عامة على نوعية ودرجة الضغوط المستخدمة ومواصفات السعة التكيفية لدى الفرد المتدرب ، أي أن التعويض المؤقت يمثل ردود الأفعال الناتجة عن ضغوط الأحمال البدنية .                                                         

ويشير بعض المتخصصين إلى أن بداية عمليات التكيف في حالة تكرار الحمل البدني تتطلب أن يتم التكرار عندما تكون فعالية الحمل السابق ما زالت باقية ، ويضيف هؤلاء بأن عملية التكيف لا يمكن تخزينها ، لذلك كان لا بد من حصر الفترات الزمنية بين ضغوط الحمل في الحدود المناسبة ، وأن لا يسمح لها بأن تطول .

أما النتائج الكبرى لتأثير علميات التكيف فتتطلب فترات طويلة تصل إلى عدة سنوات من التدريب الشاق المبني على أساس علمي ن وخاصة فيما يتعلق بتقنين الأحمال التدريبية ، وبحيث تتميز هذه الفترات بمراحل محددة من الارتفاع في درجات الحمل المستخدمة ، وبحيث توجه عمليات التكيف الناتجة في إطار متتابع على النحو التالي :

  • الارتقاء بمستوى التوافق الحركي في حالة استخدام متطلبات عالية للحمل .
  • الارتقاء بمستويات التمثيل الخاص بإنتاج الطاقة وزيادة المخزون منها .
  • تفعيل عمليات التغيير المورفولوجي .
  • تأمين المثالية والموضوعية لكافة النظم الحيوية للجسم .
  • زيادة التوافق في عمليات النظم المختلفة والمساهمة في اكتساب التوافق الهادف لمستوى كلاً من القدرات البدنية والتكنيكية والتكتيكية .

وتشير نتائج التجربة العملية إلى أن هذه التغيرات تتم بالفعل في أعقاب كل زيادة تدريجية في الحمل بهدف اكتساب مستوى أعلى ، ويمكن لنا القول بأن الميكانيكية الأساسية ي تنظيم المعلومات والتكيف المورفولوجي والوظيفي تتم على مراحل ، ولكنها لا تفقد الاتصال بعضها بالبعض .

  • قواعد العلاقة بين حمل التدريب والتكيف :

تخضع العلاقة بين شكل ومواصفات حمل التدريب ، وبين التكيف المرتبط لقواعد معينة تم الحصول عليها بمساعدة نتائج بعض التجارب العلمية ، كذلك بواسطة دراسة وتحليل الخبرة العملية والتطبيقية ، وفيما يلي نستعرض بعض هذه الأسس والعلاقات :

- التكيف ومبدأ الخصوصية :

       من المعروف أن التغيير الحادث في النظام الوظيفي يرتبط بضغوط الأحمال التي تعدى درجتها حداً معيناً ، ويعني ذلك أن الضغوط التي لا ترقى لهذا المستوى لا يحدث نتيجتها أي تغيير يذكر ( تكيف ) ، ومن المعروف أيضاً أن التكيف الناتج يكون دائماً في نفس اتجاه ضغوط الحمل ، على سبيل المثال تؤدي عملية التدريب على الجري البطيء لفترات طويلة إلى إحداث ضغوط خاصة تستهدف التمثيل الهوائي والمجموعات العضلية للأطراف السفلى ، مما يؤدي إلى حدوث عمليات التكيف المرتبطة ، بينما لا يؤدي هذا النشاط إلى حدوث تكيف بالطاقة اللاهوائية أو بالمجموعات العضلية للطرف العلوي من الجسم ، ويعني ذلك تأكيد على مبدأ الخصوصية ، وأن الحمل التدريبي الموجه يحدد لنا اتجاهات ردود الأفعال الناتجة .

- السعة التكيفية تتطلب الضغوط المثالية :

       يقصد بالضغوط المثالية هنا مكونات الحمل التدريبي ومستوى الإثارة الناتجة ، ففي حالة عدم التوصل لهذا المستوى من الإثارة ، نجد أن عمليات التكيف المستهدفة تسير في بطء ، وتتوقف عند مستوى منخفض ، مما يحجم بالتالي مستوى قدرات الفرد الرياضي في مواجهة الحمل البدني خلال العملية التدريبية .

       ويعكس واقع الخبرة الميدانية وجود فترات معينة داخل السنة التدريبية يتقلص خلالها التطور الحادث في المستوى رغم استمرارية الضغوط التدريبية ومناسبتها ، وفيما يتعلق بالأسباب المؤدية لهذه الحالات فهي غير معروفة حتى الآن ، وتشير نتائج التجربة العملية إلى أن الغالبية العظمى من المدربين يحاولون التغلب على هذه الظاهرة من خلال تكثيف الحمل المستخدم والارتفاع بدرجته حتى حدود المستوى الشخصي للاعب عن طريق زيادة سريعة في درجة الأحمال المستخدمة مما يعرض اللاعب في النهاية إلى الإصابة بظاهرة الحمل الزائد Overtraining  فلا يتحقق التكيف المستهدف ، وإنما يحدث تأثير سلبي على النظم البيولوجية ، وفي هذه الحالة يجب العمل على توفير الحماية لهذه النظم ووقايتها من التعرض لهذه الأخطار ( كميكانيكية حماية ) من خلال تخفيض الأحمال المستخدمة في التوقيت المناسب .

- التدريب على وتيرة واحدة يعوق عمليات التكيف :

       إن عمليات التدريب على وتيرة واحدة لا تؤدي إلى حدوث عمليات التكيف المطلوبة على الرغم من الزيادة المستخدمة في درجة الحمل ، حيث يؤدي في النهاية على ثبات المستوى ، وتعزي هذه الظاهرة إلى تأثير التعود على المثير  والذي يؤدي إلى إيقاف تحجيم ميكانيكية التكيف ، ويطلق إسرائيل 1994 م على هذه الظاهرة مصطلح " التثبيط الوقائي " والذي يفترض حدوثه من خلال عمليات كف من الجهاز العصبي المركزي ، ويتم التغلب على هذه الظاهرة بمساعدة التغيير في أشكال الحمل ، وطرق التدريب المستخدمين ، وكذلك نوعية التدريبات المستخدمة ، يضاف على ذلك ضرورة العمل على تأمين مبادئ الزيادة التدريجية في حمل التدريب ، والوثبات في الحمل خلال فترات معينة ، والتوصل إلى توقيتات معينة يتم خلالها الوصول إلى قمة الحمل ( أي ارتفاع واضح في الحمل خلال فترات معينة يصل إلى الحد الأقصى ) .

- عمليات التكيف لا يمكن تخزينها :

       تؤكد التجربة العملية على أن عدم تعرض النظام الوظيفي للإثارة المتكررة من خلال العملية التدريبية ( ضغوط الحمل ) بالصور المناسبة ، وفي التوقيتات الصحيحة يؤدي إلى القضاء على عمليات التكيف A adaptation    كما يؤدي أيضاً إلى انخفاض في مستوى عناصر اللياقة البدنية .

ويختلف إيقاع الانخفاض الحادث في مستوى عناصر اللياقة البدنية من جراء غياب ضغوط الحمل التدريبي ، حيث ينخفض مستوى التحمل ومعاييره البيولوجية بسرعة واضحة ، فنجد هبوط لمستوى أقصى سعة لاستهلاك الأكسجين ، كذلك انخفاض في مستوى إمداد العضلات بالأكسجين ، كما تتأثر السعة الهوائية واللاهوائية سلبياً من جراء غياب ضغوط الأحمال التدريبية .

وفي المقابل نجد أن هناك بعض الثبات النسبي فيما يتعلق بهذا التأثير السلبي بالنسبة لعناصر أخرى مثل مستويات القوة العظمى والسريعة ، حيث يتم حدوث التأثير السلبي هنا بإيقاع منخفض عنه في العناصر السابقة المشار إليها ، ويتم ذلك من خلال الانخفاض الحادث في المقطع الفسيولوجي للعضلات .

أما فيما يتعلق بعنصر السرعة فيكون أكثر ثباتاً في مواجهة تلك التأثيرات السلبية " غياب الحمل " مقارنة بالعناصر الأخرى ، ويعزى السبب في ذلك إلى أن المعايير الفسيولوجية لهذا العنصر ترتبط إلى حد كبير بالجينات ، حيث يتقلص في هذا الإطار تأثير العملية التدريبية .