العولمة  Globalization

    العولمة مصطلح حديث العهد ، ظهر-بحسب المفكّرين والباحثين-في بداية السبعينيات من القرن العشرين. ولذلك فما زال مفهومه غير واضح المعنى ، وغير محدّد الأبعاد والدلالات في كلّ لغة استخدمت للتعبير عنه ؛ ففي اللغة الإنكليزية ، نجد أنّ كلمة (العولمة) تقابل كلمة( Globalization ) والتي تعني الكونية أو الكوكبية ، أي جعل الشيء معمّماً أو منتشراً على مستوى الكون . وكذلك الأمر في اللغة الفرنسيّة ، حيث تقابل ( العولمة ) مصطلح ( الكوكبة Mondialization) حيث تتحقّق وحدة العالم باعتباره يشكّل مجموعة إنسانية واحدة ؛ وهذا جانب إيجابي إذا ما أخذت العولمة بهذا المفهوم ، أو بهذا الاتجاه .

   أمّا في اللغة العربية ، فلا يوجد لكلمة ( العولمة ) مفهوم محدّد . لكن إذا ما أخذنا بالقياس اللغوي ، فسنجد أنّ فعل (عَولَم = كَونَن ) على وزن ( فَوعَل أو فَعلَل )؛ وعولم الشيء: نشره على مستوى العالم ( الكون ) ، أي قولبه وفق نموذج معيّن .. وبذلك يكون معنى كلمة ( العولمة ) في اللغة العربية ، مساوياً لمفهوم ( الكوكبة =الكوننة) في اللغات الأخرى .

    وانطلاقاً من المصطلحات اللغوية للعولمة ، ظهرت تعريفات عدّة يحاول كلّ منها أن يعطي مفهوماً معبّراً عن العولمة ، بدلالاتها السياسية والثقافية والاجتماعية والتربوية .

   فقد عرّفت العولمة من الوجهة السياسيّة بأنّها : مجموعة من الارتباطات والتداخلات التي تسمو بالدولة الوطنية ( الدولة الأم ) ، وبشكل حتمي ، في المجتمعات التي تشكّل النظام العالمي الجديد . إنّها تُظهر العملية التي من خلالها تحدث القرارات أو الفعاليات أو النشاطات ، في جزء من هذا العالم ، والتي من الممكن أن تكون لها عواقب هامة على الأشخاص والمجتمعات ، في أجزاء بعيدة جدّاً من هذا العالم الكبير .

   كما عرّفت العولمة من الوجهة الاقتصادية ، بأنّها : اندماج الأسواق العالمية في حقول التجارة العالمية والاستثمارات المباشرة ، وانتقال الأموال والثقافات ، ضمن إطار الرأسمالية وحرية الأسواق ، وخضوع العالم لقوى السوق العالمي ، بما يؤدّي إلى اختراق الحدود القومية ، والانحسار الكبير لفائدة الشركات الرأسمالية الضخمة، المتعدّدة الجنسيات .

وبذلك تعبّر العولمة عن سيطرة دول المركز الرأسمالي في ظلّ سيادة نظام اقتصادي /عالمي ، غير متوازن في معطياته وأهدافه .

   أمّا من الوجهة الثقافية / التربوية ، فقد عرّفت العولمة بأنّها : ظاهرة ديناميكية لها ثلاثة محرّكات هي : ( الثورة التكنولوجية ، ثورة الاتصال ، والتوحيد بين البلدان والحضارات ) وذلك للتغلّب على العامل الجغرافي ، وجعل العالم قرية واحدة ، بعد إن توافرت القدرة على اختراق الحدود من خلال الفضائيات ، التي حوّلت العالم إلى " غرفة كونية صغيرة " .

   وبذلك اعتبرت العولمة محاولة لوضع شعوب العالم في قوالب فكرية موحّدة ، بغية سلخها عن ثقافتها وموروثها الحضاري ؛ فتكون العولمة نظاماً يقفز فوق حدود الدولة والأمة والوطن .. إنّها نظام يعمل على إفراغ الهوية الجماعية للأمة من أيّ محتوى ، ويدفع بها إلى التفتيت والتشتّت ، ليربط الناس بعالم اللاوطن واللادولة.

    وممّا يلاحظ أنّ أيّاً من هذه التعريفات لم يكن قاطعاً في شموليته ، وإن كان ثمّة قواسم مشتركة فيما بينها . ولذلك يشدّد/ جيمس روزناو J.Rosnow/ على ضرورة تعريف واضح للعولمة يحدّد محتواها بدقّة ، وإن كان يبدو مبكراً وضع تعريف كامل وجاهز ، يلائم التنوّع الضخم لهذه الظواهر المتعدّدة . فإذا كان مفهوم العولمة يقيم علاقة بين مستويات متعدّدة للتحليل ، وتشمل : ( الاقتصاد ، السياسة ، الثقافة والأيديولوجية ...كما تشمل عادة تنظيم الإنتاج وتداخل الصناعات ، وانتشار أسواق التمويل ...) فإنّ مهمّة إيجاد صيغة موحّدة للعولمة تصف هذه الأنشطة كلّها ، تبدو مهمّه صعبة ؛ وحتى لو طوّر هذا المفهوم ، فإن من المشكوك فيه أن يتمّ قبوله أو استخدامه على نطاق واسع .

فمفهوم العولمة وإن حمل في بعض جوانبه ، ضرباً من التغيير الاجتماعي العام ، فإنّ هذا التغيير يشير إلى درجة عالية من التعقيد الاجتماعي والاقتصادي .

     واستناداً إلى طبيعة العولمة ، نجد أنّ الفارق جوهري بين التغيير الاجتماعي والعولمة ؛ فالتغيير نوع من أنواع التبدّل ( التحوّل ) في بنية المجتمع ، سواء كان التبدّل إيجابياً أو سلبياً ، سريعاً أو بطيئاً ، بينما تعني العولمة حالة من التغيير واسع النطاق الذي يأخذ المجتمعات الإنسانية إلى مزيد من التعقيد ( الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ) ضمن ما يسمّى بمراحل ( التطوّر التاريخي ) لهذه المجتمعات. وهنا تكمن الآثار السلبية للعولمة وضرورة مواجهتها .

ثانياً- مظاهـر العـولمة

   إنّ طبيعة العولمة ومكوّناتها المختلفة ، والتي يركّز كلّ منها على جوانب معيّنة دون جوانب أخرى ، تشير إلى أنّ ثمّة وجوهاً للعولمة، سياسيّة واقتصادية  واجتماعية وتربوية/ إعلامية وثقافي، وذلك لأنّ العولمة ظاهرة معقّدة تتمازج فيها الأيديولوجيا والتكنولوجيا، والجغرافيا والديموغرافيا والتغيير المؤسّساتي ، بهدف تحديد آلية عملها الداخلية ونتائجها . وكلّ فصل بين هذه المكوّنات المعقّدة يؤدّي إلى فهم مبتور لتجلياتها ونتائجها وتتجلّى وجوه العولمة في مظاهر متعدّدة على النحو التالي :

  • المظهر السياسي :

   إذا كانت العولمة تهدف إلى إزالة الحدود بين كيانات الدول الوطنية والقوميّة ، فإنّها سمحت ، بتحويلها السلطة من الدولة إلى الشركات ( متعدّية الجنسيّة )المتعدّدة  الجنسيات ، بتقويض مصداقية الدولة بشكل أفقد حكومات هذه الدولة مشروعيها تجاه مواطنيها ؛ وهو الأمر الذي ترتّب عليه اندلاع حالات من عدم الاستقرار السياسي بأشكال مختلفة ، وبشكل أسفر عن تراجع الديمقراطيّة في بعض مناطق من العالم .

   فقد أصبحت الدولة – في هذه الحال- عاجزة عن مواجهة السوق ( المُعولَم ) والسياسات الموحّدة المفروضة من الخارج ، لأنّها – أي الدولة - فقدت الكثير من وظائفها الموروثة والأساسيّة في المجتمع ، وبشكل أفقدها مبرّرات استمراريتها ووجودها ، بحيث أصبح الاعتراف بالدول رهناً بالاعتراف الدولي بها .

   وبهذا المعنى ،قد تكون الدولة ذات سيادة من الناحية القانونية ، ولكنّها قد تضطّر من الناحية الفعلية ، إلى التعارض مع بعض الفعاليات الدولية ، أو مع جميعها ، وهذا ما يؤدّي إلى أنّ حرية الدولة في التصرّف ، ستكون ناقصة أو مقيّدة ، وذلك تبعاً للضغوطات التي تمارس عليها من قِبَل هذه الهيئات الدولية ، لقاء ما يحدث من تعارض معها .

   لقد ارتبطت العولمة السياسية ، في الآونة الأخيرة ، بظهور مجموعة من القضايا والمشكلات العالمية الجديدة ، التي تتطلّب تعاوناً دولياً جماعياً للتغلّب عليها ، ومن أبرز هذه القضايا :

  • تزايد المشكلات العالمية العابرة للحدود وتصاعد حدّتها : ومن أهمّها المشكلات البيئية المتمثّل في التلوّث والتدهور البيئي ، وبروز مشكلة ارتفاع حرارة الأرض وفجوة طبقة الأوزون ، والتصحّر وتدمير الغابات وتراكم النفايات ، ولا سيّما النووية منها ، والانفجار السكاتي وقضية الفقر والمجاعة في العالم ، ومشكلة المخدّرات والعنف والإرهاب الدولي ، والأمراض الفتّاكة ، وجرائم غسيل الأموال والتضخّم ، والهجرة غير المشروعة ..وغيرها .
  • تفاقم مشكلات العالم الثالث : ومن أهمّها الحروب الداخلية التي تدور رحاها بين الفينة والأخرى ، ولا سيّما في قارتي أسيا وأفريقيا ، والصراعات المسلّحة بين الدول .. والأزمات الاقتصادية والفوارق الطبقية .. وغيرها ..
  • واستناداً إلى ما تقدّم ، فإنّ  أبرز المظاهر ( التجليّات ) السياسيّة للعولمة ، تتجلّى في سقوط الشمولية والسلطوية ، والنزوع إلى الديمقراطية والتعدديّة السياسيّة ، واحترام حقوق الإنسان ..

   وفي هذا الصدد تثار عدّة أسئلة ، من أبرزها :هل هناك نظرية وحيدة للديمقراطيّة ، هي الديمقراطيّة الغربية ؟ أم أنّ هناك صياغات أخرى متأثّرة بالخصوصيّة السياسيّة والثقافية للمجتمعات في العالم ؟ وهل هناك إجماع على احترام مواثيق الإنسان ؟ أم أنّ هناك نزعة لدى بعض الدول للدفع بالخصوصيّة الثقافية لمنع تطبيق مواثيق حقوق الإنسان العالميّة ؟

   إنّ الأجوبة على هذه التساؤلات تؤكّد أنّ العولمة من المنظور السياسي ، تعني أنّ الدولة ليست الفاعل الوحيد على المسرح السياسي، وإنّما تعمل إلى جانبها منظّمات عالمية وهيئات متعدّدة الجنسيات ، وغيرها من التنظيمات التي تسعى إلى تحقيق المزيد من الترابط الدولي ، في إطار التعاون والاندماج .

   2- المظهر الاقتصادي / الاجتماعي:

  إنّ البعد الاقتصادي لمفهوم العولمة ، يحظى بالنصيب الأكبر من النقاش والحوار والتعليق، وذلك لأنّ الاقتصاد بأشكاله المختلفة ، كان وما يزال  ، من أهمّ الدوافع  التي تحرّك الإنسان للعمل والنشاط ، الفردي والاجتماعي . فقد أدىّ الاقتصاد في إطار التبادل التجاري ، دوراً رئيساً في تحديد العلاقات بين البلدان والمجتمعات منذ القدم ، إلاّ أنّ التغيير الذي طرأ على طريقة التبادل التجاري ، خلال العقود الأخيرة ، جعل لهذا الاقتصاد نمطاً جديداً ومتميّزاً ، يتناسب والنظام العولمي الجديد .

   يقول / سكولتScholte/ : إنّ العولمة هي الرأسمالية ، إلاّ أنّها أصبحت معقّدة ، وأصبحت راسخة بقوّة أكثر ، في كلّ أنحاء العالم ، مستخدمة احتكارات تكنولوجية متقدّمة  وقرارات تنظيميّة دقيقة .. وهذا التحوّل من الرأسمالية إلى العولمة ، خلق عالماً جديداً ، بمعطياته وأهدافه وتظهر العولمة الاقتصادية هنا ، بأنّها تحدث في ظلّ نظام اقتصادي عالمي  تغلب عليه حرية الاقتصاد غير المحدودة ، والمتمثّلة في فتح الأسواق العالمية ، وتجاوز الحدود المحليّة والإقليمية .

   وتبرز ضمن هذا التوجّه ، مشكلة أزمة الدولة القومية ، وتأثير العولمة على مفهوم " فكرة السيادة الوطنية"  وتطبيقاتها . ومن ناحية أخرى ، تثور المناقشة حول دور الدولة في ظلّ العولمة الاقتصادية ، ولا سيّما من جهة تأكيده أو تغيير صورته ، بالإضافة إلى أسئلة شتى حول صلاحية نظام ( حريّة السوق ) ليكون أساساً للتنمية في بلدان العالم المختلفة ، والمخاطر التي يمكن أن تنجم من التنمية الوحيدة البعد ، والتي تركّز فقط على الجانب الاقتصادي .

    ويظهر هنا ، للمرّة الأولى في تاريخ البشرية ، توافر إمكانية صناعة السلع  في أي مكان وبيعها في كلّ مكان ..ففي ظلّ عولمة الرأسمالية ، يتمّ الإنتاج في المكان الأقلّ كلفة، سعياً وراء الربح . وممّا جعل ذلك ممكناً ، هي تلك التحسينات المذهلة في تقنيات النقل والاتصالات ، فضلاً عن التخفيضات الكبيرة في تكاليف إنتاج هذه التقنيات .  

وهذا ما أدىّ بالتالي إلى تضخمّ الشركات المتعدّدة الجنسيات ، بدءاً من تزايد قدرتها على الاستفادة من فروق الأسعار بين مكان الإنتاج الرخيص والتسويق في المكان الأغلى ، أو من نسبة الضرائب المتدنية أو من مستوى الأجور في البلدان النامية التي تعمل فيها.

    إنّ المنافسة الاقتصادية الحادة بين الشركات المتعدّدة الجنسيات ، التي أفرزتها العولمة ، أصبحت تهدّد التماسك الاجتماعي ، في كثير من البلدان الفقيرة  التي تعمل بها ، من خلال استغلال الطاقات البشرية مقابل الأجور المدنية .. كما تعمل المنافسة الاقتصادية المعولمة على تعميق هوّة التفاوت في توزيع الدخل والثروة ، بين الناس في الدول الفقيرة والدول الغنيّة ، حيث تزداد الدول الغنيّة غنىً ، مقابل تزايد الدول الفقيرة فقراً ..

    فالليبرالية الجديدة المتطرّفة ، التي أفرزتها العولمة ، فشلت في تحقيق معدّلات نموّ مرتفعة وتقليص البطالة ، ورفع مستوى المعيشة كما وعدت .. وحتى أنّها لم تستطع أن تحافظ على المعدّلات التي كانت موجودة في عقد التسعينات من القرن العشرين ، بل تدهورت الأحوال الاقتصادية والقوّة الشرائية عند الكثير من الفئات الاجتماعية ، وازدادت نسبة البطالة والفقر، وتراجعت المكاسب الاجتماعية القديمة ، وتمّ تخفيض الأجور وزيادة ساعات العمل . فعلى سبيل المثال : ألغت الصناعة الحربية الأمريكية مليون فرصة عمل ، وأوجبت شركة الاتصالات الألمانية تسريح مائة ألف مستخدم لكي تستطيع المنافسة في السوق العالمية ، وفي بريطانيا تمّ إلغاء ( 113) ألف  فرصة عمل منذ خصخصة شركة الاتصالات عام 1984 ، وتمّ التخطيط لتسريح ( 36 ) ألف عامل حتى عام 2000 ، وبذلك تكون قد سرّحت نصف عمّالها .. وقس على ذلك في معظم الدول الرأسمالية .

    وليس ذلك فحسب ، بل أنّ الكثير من الشركات الصناعية الكبرى ( العملاقة ) ، ولا سيّما شركات صناعة السيارات والمحرّكات والأجهزة التقنية ، أغلقت أبوابها في بلدانها الصناعية وسرّحت عمّلها ، وهاجرت إلى بلدان أخرى في آسيا أو إفريقيا ، حيث تستفيد من الإعفاءات الضريبية للاستثمار ، والأجور الزهيدة التي تدفعها للعمّال مستغلّة ما يعانون من الفقر والبطالة .

    إنّ مقارنة سريعة لمظاهر الثراء الذي تنعم به فئات من الناس ، مع حجم الفقر والتهميش الذي تعاني منه شعوب غفيرة في بلدان العالم المختلفة ، توضح لنا تمركز الثروات في أيدي عدد قليل من الأشخاص ، مقابل تمركز الفقر في الكثير من بلدان العالم. فقد أشارت التقارير الخاصة بالتنمية البشرية ، إلى أنّ من بين ( 4,4 ) مليار شخص في العالم ، هناك ثلاثة أخماس منهم لا تتوافر لديهم البنيات الصحيّة السليمة ، كما أنّ ( ثلثهم ) محرومون من مياه الشرب الصالحة والكن اللائق ، كما أنّ ( خمس ) هؤلاء لا توفّر لهم الخدمات الصحيّة الحديثة .. وفي مجال التغذية ، لا يحصل (خمس ) سكان العالم على ما يفي من الكالوريت الحرارية والبروتينات ،كما يعاني ( 6ر3 ) مليار شخص من نقص في مادة الحديد ، ومنهم ( ملياران ) مصابون بفقر الدم .

   والخلاصة ، إنّ مبدأ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي تنادي به العولمة ، هو مبدأ مزيّف، لأنّه ينحاز إلى جانب الأغنياء على حساب الفقراء والمحرومين ، ولذلك كان من نتيجته زيادة حدّة التوتّرات الاجتماعية في الكثير من دول العالم ، ولا سيّما العداء للأجانب والمهاجرين ، وإهمال الفئات الفقيرة ، وتزايد النزعات العنصرية وانتشار مظاهر الجريمة والعنف والإرهاب ، والمتاجرة بالمخدرات .. وغير ها من مظاهر التفكّك الاجتماعي والأخلاقي . وكما قال مؤلّفا كتاب ( فخّ العولمة ) : " إنّ العولمة بشكلها الحالي ، هي مدمّرة للحياة الاجتماعيّة والاستقرار الاجتماعي .."

 3- المظهر التربوي  :

   شهدت الإنسانية في الربع الأخير من القرن العشرين ثورة تقنية كبرى في عالم الاتصالات، تمثّلت بعولمة الاتصال والإعلام ، حيث كان لهذه الثورة أثر عميق في تسريع وتيرة المبادلات الإخبارية والإعلامية ، واختصار الزمان والمسافات ، واختفاء الحدود الجغرافية والحواجز الطبيعية . وهذا كلّه أدّى إلى أن تُربط حياة الناس  ، بعضهم مع بعض ، على نحو أشدّ وأعمق وأسرع ، ممّا كان يحدث في الماضي ، بحيث أصبحوا يتأثّرون بأحداث تقع في أقصى أركان العالم .

   ولذلك يمكن تقسيم المظهر التربوي إلى مظهرين فرعيين : المظهر الإعلامي والمظهر الثقافي ، بالنظر إلى تأثير كلّ منهما في بثّ القيم والنماذج السلوكية (الأخلاقية والاجتماعية والسياسية ).

   3/1- المظهر الإعلامي :

     تبرز عولمة الاتصال أكثر ما تبرز ، من خلال البث التلفزيوني عن طريق الأقمار الصناعية، وبصورة أكثر عمقاً من خلال شبكة الإنترنت التي تربط البشر في كلّ أنحاء المعمورة . وتدور حول الإنترنت أسئلة كبرى ، ولكن من المؤكّد أنّ نشأتها وذيوعها وانتشارها ، ستؤدّي إلى أكبر ثورة معرفية في تاريخ الإنسان . ( يسين ، 1998 ، 33 ) وتبثّ عبر القنوات التلفزيونية الفضائية ، مجموعة من القيم والمبادىء والأفكار والسلوكات ، التي تنتمي إلى ثقافة بعينها ، هي الثقافة القوية والمهيمنة على وسائل الإعلام .

   لقد ازدادت القنوات الفضائية المملوكة من قِبل الشركات عابرة القومية ، ومتعدّدة الجنسيات ، ازدياداً انشطارياً ، خلال السنوات الأخيرة بحيث صار الفضاء ساحة تنافس تلفزيوني .. وفي محاولة لمواجهة هذا الخطر الوافد عبر الفضاء ، عمدت بعض دول الجنوب إلى الارتباط بالأقمار الصناعية ، وأقامت محطّات أو قنوات للبثّ الفضائي ، أو استخدمت تقنيات حديثة تلتقط بوساطتها ما تبثّه القنوات الفضائية ، وتعيد بثّ ما تراه مناسباً ؛ أي أنّها تعمد إلى الانتقائية في إعادة البث ، لكي تسيطر على البثّ الوافد وتقلّل من خطورته .

   إنّها – ولا شكّ – ثورة عولمية / اتصالية ، بكلّ ما في الثورة من معان وأبعاد ، بالنظر لما نتج عنها من تغيّرات واسعة المجال ، قلبت الأوضاع الاجتماعية رأساً على عقب ، بحيث أصبح العالم يعيش وكأنّه قرية كونية واحدة ؛ فالوسائل تعدّدت ، وسرعتها بلغت مدى لم يعرفه الإنسان من قَبل .. فلا يحتاج إنسان اليوم إلاّ لتحريك أصابعه ليتّصل بأنحاء الكرة الأرضيّة كلّها ، وبعدد هائل من مراكز المعلومات ومصادرها . . كما يمكنه أن يتابع برامج البثّ المرئي التابعة لبلدان العالم جميعها .

 ويتأثر الإنسان ، من خلال ذلك الاتصال وتلك المتابعة ، ببعض الأفكار والسلوكات والقيم ، ممّا يخلق في كثير من الأحيان ، هوّة عميقة بين ما هو وافد وما هو أصيل في المجتمع المحلّي .. ويتأرجح الناشئة / الشباب بين هذا وذاك ، الأمر الذي يؤثّر في تكيّفهم وانتمائهم وتمسّكهم بهويتهم الاجتماعيّة .

   3/2-المظهر الثقافي :

   ارتبط هذا المظهر بفكرة التنميط الثقافي أو ( التوحيد الثقافي ) العالمي .. وهو تعبير من التعبيرات التي استخدمتها لجنة اليونسكو العالمية لإعداد مؤتمر السياسات الثقافية من أجل التنمية ، عام 1988 ..وقد رأت اللجنة أنّ التنميط الثقافي يتمّ باستغلال ثورة الاتصالات العالمية ، وهيكلها الاقتصادي / الإنتاجي  المتمثّل في شبكات نقل المعلومات والسلع ، وتحريك رؤوس الأموال ..

   كما أنّ التنميط الثقافي ( التوحيد الثقافي ) ، هو مرآة التطوّر الاقتصادي للعولمة ، وذلك لأنّ البناء الثقافي للإنسانية يتكامل مع البناء الاقتصادي المعلوماتي ؛ ومن هنا اتّخذ المفهوم الثقافي للعولمة بعداً اقتصادياً وإعلامياً .فالإعلان هو أداة التوصيل والتأثير للأفكار الثقافية التي يراد لها الشيوع والانتشار . 

    فالمظهر الثقافي للعولمة يوحي بإيجاد ثقافة ذات طابع عالمي ، يتّسم بخصائص ثقافية متحرّرة من  تأثير أي ثقافة بعينها .. أي إيجاد ثقافة تصلح لأن يأخذ بها الأفراد المنتمون إلى ثقافات ومجتمعات متباينة . فلكلّ ثقافة نسق من القيم والمعايير ، ويفترض في الخصائص التفافية التي تناسب العولمة ( أو تصنعها العولمة ) ألاّ تتعارض مع الأنساق المحليّة للقيم .. فهي – من الوجهة النظرية – خصائص تطوّرت نتيجة تعاون بين ثقافات كثيرة تمكّنت من تطوير صياغة توفيقيّة فيما بينها .

     والسؤال الذي يمكن أن يطرح هنا ، هو : هل يمكن للنظام العالمي الجديد ( المُعولم ) أن يكون حاملاً لنظام ثقافي يلبّي طموحات المجتمعات البشرية في نهضتها والحفاظ على هويتها الثقافية ؟ فإذا كان الجواب بأن المادة هي المقايض الموضوعي للفكر ، فلا بدّ إذن من اتّحاد القرار الذي يجمع بين المال والمعرفة ، بما يحقّق نهضة ثقافية إنسانية دون أن تطغى ثقافة على ثقافة أخرى .

   ولعلّ المظهر الثقافي للعولمة ، هو البعد الأشدّ خطراً  على المجتمعات الإنسانية الأقلّ تطوراً، علمياً وثقافياً ؛ فثمّة إشكاليات متعدّدة في هذا الشأن ، وتدور كلّها حول أية ثقافة عالمية يمكن أن تسود ؟ وهل الكوكبية تلغي الخصوصيّة ؟ وهل يمكن أن تتأقلم الثقافات المحليّة مع ثقافة العولمة ، القادرة ، بما تملك من آليات وقوى ، على ضبط سلوكات الشعوب على اختلاف ثقافاتها وتنوّعها ..؟ ولا سيّما أنّ الخطر الأكبر في عملية العولمة الثقافية ، يكمن في أنّها تفرض من الخارج ، وليست نتاجاً لتفاعلات بين الحضارات والمذاهب الفكرية المتباينة على مستوى العالم ككلّ متكامل .

    ولكن الثقافات تنشأ وتتطوّر عبر المراحل التاريخية ،وفق ظروف كلّ مجتمع وبنيته المادية والفكرية ، وقد تتبدّل هذه الثقافات بفعل التغيّرات التطوريّة / الاجتماعية والعلمية، ولكنها تستمرّ وتبقى مع مرور الزمن ، وتواجه التحدّيات الخارجية ، لأنّها الضامن الأساسي لوحدة المجتمع وتماسكه. فهل يمكن لثقافة العولمة أن تلغي ثقافة أي شعب له حضارته الخاصة وقيمه وثقافته ..؟

    وللإجابة عن هذا  التساؤل ، ثمّة اتجاهات اتّخذت مواقف مختلفة إزاء المظاهر الثقافية للعولمة ، توزّعت بين معارض ومعتدل ومتقبّل .

    1- يرى الاتجاه الأمل ( المعارض ) : أنّ في ثقافة العولمة طغيان ثقافة عالمية واحدة  على الثقافات القومية والمحليّة المتعدّدة ، ممّا يشكّل خطراً يهدّد خصوصيّة هذه الثقافات. ومن هنا جاءت الدعوة إلى محاربة ثقافة العولمة ، والتصدّي لها بإحياء الذاكرة التاريخية لويلات الحروب والاستعمار ، ونهب الثروات والتفرقة العنصرية التي عانى منها العالم .. والتمسّك بالمنهج العلمي في التفكير والتعامل مع الأشياء ، وترقية مناهج التعليم والتمسّك بالقيم الأخلاقية ..

   2- أمّا الاتجاه الثاني ( المعتدل ) : فينظر إلى القضية من زاوية التفاعل بين الثقافات ، الذي يرى فيه صمّام الأمان الذي يضمن للعولمة أن تتخلّص من آثارها وجوانبها السلبية. فالتفاعل الإيجابي يرسّخ قيماً ثقافية رئيسة مشتركة تجمع الثقافات المتعدّدة في بوتقة واحدة ، بحيث تكون الثقافة الوطنية مزيجاً من ثقافة دولية ، تحترم المعاصرة ، وثقافة محليّة تحافظ على أصولها ومنابعها . 

   3- وثمّة اتّجاه ثالث ( متقبّل ) : يدّعى أنّه ليس هناك ما يدلّ على أنّ العولمة الثقافية تهدف – بالضرورة- إلى محو الهويات الثقافية المتعدّدة ، لأنّ العولمة لكي تفرض نفسها ليست بحاجة إلى فرض نظام ثقافي معيّن ، على كلّ أنحاء العالم .. وأنّه لمن المستحيل من ناحية أخرى محو التعدّدية الثقافية وخصوصياتها .

   واستناداً إلى ما تقدّم ، نصل إلى نتيجة مفادها أنّ العولمة بسيطرتها على وسائل الاتصال ، تعمل على صوغ ثقافة إنسانية / حضارية-كما تدّعي- تمتزج فيها الثقافات البشرية وتتآلف بعد التخلّي عن جذورها الأصلية ، ممّا يسهل على قادة العولمة توجيهها كما يشاؤون .