التعليم مدى الحياة Life Long Learning

لا يعد مفهوم التعليم مدى الحياة (Life Long Learning) (L. L. L.) مفهوماً جديداً.  فقد كان سقراط وأفلاطون من بين الفلاسفة الأوائل الذين أدركوا  معنى التعليم كعمليه مستمرة مدى الحياة. وكانت أثينا القديمة مدينة تعلمٍ، رقت بالتعليم وشجعت مشاركة المواطنين عليه ، وأكدت التربية الصينية القديمة أهمية التعلم مدى الحياة في تحقيق التنمية، وشاع المثل الصيني الذي انتشر عام 645ق.م ( عندما تخطط لسنة ازرع قمحا، وعندما تخطط لعقد ازرع شجراَ، وعندما تخطط لمدى الحياة فعلم الإنسان وثقفه). وأكدت الأديان السماوية أهمية التعلم المستمر للإنسان، فقد جاء في الديانة المسيحية (جددوا المواهب الحسنى، وأنا أريكم طريقاً أفضل) وجاء في الديانة الإسلامية( اطلب العلم من المهد إلى اللحد).

لقد شهدت البشرية أشكالاً شفوية ومكتوبة من الاتصال و التعلم ، قادت وضمن إطار العمل الأوسع للنشوء السياسي والاجتماعي في عصر النهضة، و إلى وضع نظام التعليم الرسمي للقرن الثامن عشر.

وكان لصدور كتاب ( التعليم ذلك الكنز المكنون) لمؤلفه جاك ديلور، ما يؤكد أهمية التعليم بأشكاله المختلفة في تنمية الإنسان واستثمار قدراته على نحو أمثل.

ومع التغير المستمر في مناحي الحياة كلها، فقد عاد المربون إلى مناقشة مفهوم التعلم مدى الحياة من جديد، بعد أن أقر المختصون أن هذا المفهوم مازال يعتريه الكثير من الغموض في تعريفه وكيفية تطبيقه، فمما لاشك فيه أن مفهوم التعلم مدى الحياة كغيره من المفاهيم التربوية تأثر بالمجتمعات الجديدة والتي وصفها بعضهم بأنها ( مجتمعات المخاطر)لأن التقدم المعرفي والتكنولوجي  جعل المجتمعات والأفراد في حالة مواجهة دائمة.

والمربون في عصرنا الحالي يؤكدون ضرورة إعادة تنظيم التعلم في سياق التعلم مدى الحياة. ذلك أن مفهوم التعلم مدى الحياة يجسد القيم التي تؤكد عليها البشرية وتدعو لها مثل : حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل، ورعاية الموهوبين وذوي الحاجات الخاصة، والتعلم للجميع.

ونلحظ في عصرنا الحالي أن الأنظمة التربوية تسعى إلى تكييف عملها لتصبح أقدر على الموازنة بين دفق المعرفة والقيم التي على المربين ترسيخها، والتي يأتي في مقدمتها تطوير الكفاءات البشرية وتنمية المواهب الإبداعية والتعامل مع المواقف الحياتية بطريقة أكثر ذكاء.

ولأجل ذلك كان لابد من تحقيق التنوع في التعليم بما يمكن من المقارنة بين أنماط التعليم المختلفة. وتوفير أنظمة تعليمية للجميع تنفتح على المجتمع بأسره.

والهدف من ذلك هو الاستجابة للمتطلبات التي تشكل تحدياً ويحتاجها العمل والمواطن والحياة الشخصية، فالتعلم المستمر يساعد في رفع مؤهلات الفرد الضرورية وبالتالي يوسع فرص العمل أمامه.

وهذا ما دفع اليونسكو إلى تناول مفهوم التعلم مدى الحياة (Life Long Learning) (L. L. L.) من جديد، ووضع برامج تعليمية وفق جداول زمنية تطلب من الدول الالتزام بها.

إن سياسات التعلم مدى الحياة تشكل مساحة جديدة في بيئة تعلمنا، وهذه السياسات أصبحت ضرورية وملحة بسبب التقنيات الحديثة والجديدة للاتصال والمعلومات وظهور نظريات جديدة للتعليم تقوم على الدمج بين الجوانب الرسمية وغير الرسمية للحياة الاجتماعية والثقافية وحياة العمل.

ويشهد عصرنا الحالي من خلال الوسائل الرقمية للاتصال والتي عملت على دمج الكتب الشفوية والمطبوعة في سياق متعدد الوسائط والأشكال من حيث أن المادة المكتوبة مرتبطة مع المادة المسموعة، والمرئية والفراغية وهكذا. ونتيجة لذلك تطلبت بيئة التعلم الجديدة قدرات ومهارات جديدة من أجل فهم المعنى وإنتاجه. كما تطلبت إعادة تحديد معنى معرفة متطلبات القراءة والكتابة للعمال الجدد، وللمواطنين الجدد، أو الأشخاص الجدد ، و تطلبت إعادة بناء نظام تعليم الكبار على المستوى المحلي والوطني والعالمي.بحيث يرتكز إلى الأبعاد الثلاثة التالية:

  • أن يأخذ التعلم مدى الحياة أشكالا مختلفة من التعليم الرسمي، وغير الرسمي.
  • أن يتم التوسع في التعليم في أي مكان سواء في المدرسة،أو مكان العمل،أو من خلال التفاعل الاجتماعي، أو التعلم الذاتي.
  • أن يتم التعلم مدى الحياة عبر النظام التعليمي، وبالتحديد عن طريق إستراتيجية "تعلم التعلم" و"تعلم كيف تتعلم".

أي أن المفهوم الجديد للتعلم مدى الحياة تطلب تصحيحا في العملية التعليمية يقوم على تعميق العلاقة بين التعلم والعمل، ورفع الحواجز القائمة بين نظام التعليم الرسمي ومواقع العمل.والسعى إلى تحقيق ما يلي:

  • الحاجة لاعتماد أفضل الطرق لتقييم التعلم.
  • الحاجة إلى التوجيه والتعليم في مجالات الحياة المختلفة من قبل خبراء متخصصين.
  • الحاجة إلى الشفافية في الإجراءات، والتأكد من التوازن الحقيقي بين المتعلمين وفرص العمل،وبين المال المُنفق والوقت المتاح للتعلم، فالتعلم مدى الحياة لاتقدَر فعاليته بالأموال التي ننفقها على التعليم والتدريب فقط، بل في الإجراءات والنتائج أيضاَ.
  • الحاجة إلى تأمين المكان الملائم والمعلومات المناسبة والوقت الكافي.
  • الحاجة إلى تكوين المهارات الأساسية، فما زالت نسبة كبيرة من السكان وحتى في المجتمعات المتقدمة تعاني من صعوبات في القراءة والكتابة والحساب. وكذلك في المهارات الاجتماعية وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وتفتقر إلى روح المبادرة، وهي أمور ضرورية لتوليد قوة دافعة لتطوير الاقتصاد.
  • الحاجة إلى برمجيات تسهل التفاعل بين المعلمين والمتعلمين من أجل تعلم المزيد، والتعامل مع المادة التعليمية بطريقة أكثر ذكاء، وهذا يتطلب أن يكون المعلمون قادرين على توظيف التكنولوجيا الجديدة في طرق تدريس إبداعية، فليس المهم تقديم حواسيب في الغرف الصفية، بل في كيفية الاستفادة منها.

مما سبق يتبين أن مفهوم التعلم مدى الحياة لا يعني مسألة الوقت واستمرار التعلم طوال الحياة فحسب، بل هو مسألة محتوى ومضمون أيضاَ، من ذلك مثلاَ تحقيق التوازن بين الجنسين، فرغم زيادة عدد المعلمات على عدد المعلمين في مراحل التعليم الأساسي في معظم دول العالم، إلا أنه ما زال التفاوت كبيراَ في عدد المعلمات المختصات في الرياضيات والعلوم، حيث لا تتجاوز النسبة 2إلى 3 في أحسن الحالات. إلى جانب تحقيق التكامل بين الناحية الصحية والمشاركة الاجتماعية والمنافسة الاقتصادية، فالتعليم والثقافة هي قنوات متميزة لجعل الأفراد يعرفون بعضهم البعض، ويفهمون بعضهم البعض، مما يجعلهم مواطنين أفضل.وقد تمكنت بعض الأنظمة التربوية وبالتعاون مع المنظمات غير الحكومية من  تنظيم برامج تهدف إلى تحقيق التعلم مدى الحياة ، كبرنامج سقراط وبرنامج ليوناردوفيتشي اللذين أقامهما الاتحاد الأوربي، ووضع لهما معايير ومؤشرات لمعرفة الجهات التي استطاعت تحقيق التعلم مدى الحياة، والتي لم تستطع.

ويبقى الهدف الرئيس هو تشجيع الكبار على الاستمرار في المشاركة في عملية التعلم.

ولا يعد التعلم ضمن إطار التعلم مدى الحياة تجميعاً للمعرفة الأكاديمية ولا تدريباً على مدى محدد من التطبيقات والقيم. إنه يشمل كل ما يتعلق باكتساب معارف متنوعة في مجال الاتصالات والمعلومات والمؤسسات الاقتصادية. والهدف من ذلك كله هو بناء مواطنين فاعلين ونشيطين، قادرين على تحمل المسؤولية وتطوير كفاءاتهم للتكيف مع التغير المستمر.

كما لا يقتصر التعلم مدى الحياة على اكتساب المعارف و المهارات الأساسية، فالرياضيات والقراءة والكتابة لا تزال مهمة كما كانت دائما، إلا أنه يجب عدم النظر إلى المعارف على أنها عدد من القواعد حول القراءة والكتابة، أو على أنها قائمة من الإجابات الجاهزة والمعدة مسبقاً، فبيئات التعلم الجديدة تعطي الاهتمام الأكبر لبناء الإنسان المتقبل للتغيرات والمنفتح لها وللتنوع، وللطرق الجديدة لحل المشكلات.  ويعطي اهتماما قليلا لنقل المعرفة المحددة والجاهزة، والهدف من تعلم القراءة والكتابة في المفهوم المعاصر للتعلم مدى الحياة هو مساندة المهارات الأساسية القديمة  بقدرات متطورة ومتقدمة وبأدوات متوافقة مع نمط الحياة الجديد الذي ستعيشه الأجيال في المستقبل.

ولهذا فإن المنهاج الحديث للتعلم مدى الحياة يشتمل على معارف متعددة تغطي المجالات التالية:- القراءة، الحساب، المعرفة الرقمية، المعرفة بالعلوم، المعرفة بالأعلام، المعرفة التاريخية، المعرفة البيئية، المعرفة الثقافية، وكل المعارف المتعلقة بنوع العمل الذي يشغله الفرد.

إن عملية التحول الناتجة عن التعلم مدى الحياة تخلق أوضاعا اجتماعية، بحيث يكون الفرد قادراَ على التعايش مع متغيرات مختلفة وبطرق مختلفة.

وفيما يتعلق بآليات التعلم وأساليبه، فقد تخلص المفهوم الجديد للتعلم مدى الحياة من الطرق التقليدية في التعليم إلى طرق إبداعية تساعد في إيجاد المواقف المناسبة، مما يحتاج إليه في البيت والمعمل والمجتمع،  فلم يعد تعلم الرياضيات مثلا مقتصراَ على إيجاد الأجوبة الصحيحة بل تعداها إلى طرح الأسئلة الصحيحة، وبهذا لم يعد التعلم مدى الحياة يقتصر على طريقة واحدة ثابتة لايحيد عنها  ، فبيئة العمل المتنوعة، وطرق الاتصالات، لابد أن تراعي الثقافات المتعددة والمواقف المختلفة للأفراد، إنها طرق تحرص على التنسيق بين التعلم والعمل وأوقات الفراغ، فالمفهوم الجديد ينقل الفرد من دائرة القول إلى دائرة الإرادة والاختيار والفعل، حيث يصبح بإمكانه أن يختار الطريقة التي يرغب أن يعيشها، والموضوع الذي يرغب في تعلمه، ولذلك تتوفر في البيئة التعليمية الواحدة أنماط من التعليم المتخصص والمتنوع في اللغة والأسلوب والتصاميم وإجراءات العمل، والتي تتيح للفرد حرية الاختيار بعد أن يجرب ويختبر النظريات والطرق، ونتيجة لذلك كله تتحدد معالم هويته الاجتماعية.

ذلك أن كل فرد وفق المفهوم الجديد للتعلم مدى الحياة يتحدث ويستمع ويقرأ ويتصرف ويتفاعل وينتقد ويصنع قيما ويستخدم أدوات، كل في بيئته المختلفة ، وفي إطار زمني محدد. أما أهم المبادئ التي يقوم عليها التعلم مدى الحياة فهو مبدأ الاستقلالية وتنوع الحاجات والسمة التطبيقية / العملية للتعلم .

لقد تغيرت النظرة إلى التعلم، فلم يعد عملية فردية بل هو نشاط اجتماعي يقوم على التعلم التجريبي والتعاوني.إنه تعلم يتحقق في أي مكان، في المنظمات والمجتمعات، وهو تعلم سريع التغير والتطور، يعتمد أساليب متنوعة مثل: التعلم الفاعل المعتمد على الخبرة والممارسة،التعلم من خلال المشاريع متعددة المعارف، والتعلم في مجموعات، والتعلم عن طريق حل المشكلات، والتعلم بالتمكين، وعمليات تقييم المهارات المكتسبة.. الخ.

وتطبيق هذه الأساليب يتطلب وجود المربي الذي يعمل كشريك ومنسق ومشجع ومطور لعملية التعلم. وهذا بدوره يقتضي تدريب المعلم أثناء الخدمة كعمليه مستمرة داخل المدرسة.

أما البنية التنظيمية لمفهوم التعلم مدى الحياة فهي بعيدة عن المركزية، بل إنها تؤكد نهج التشاركية، وتتصف بالانفتاح والتجديد في مناهجها وطرائق عملها، والتي يشارك ضمنها المتعلمون بشكل فاعل وايجابي. ولشبكات تعليم الكبار روابط مع المجتمع التعليمي، والمجتمعات المحلية، والجامعات والمؤسسات البحثية.مما يساعد على إيجاد مواقع جديدة للتعلم في مجالات مختلفة، وعلى جسر الهوة بين التعلم الرسمي وغير الرسمي.

ويشغل مفهوم التعلم مدى الحياة مساحة واسعة وانتشاراَ كبيراَ، فهويتحقق في:

  • مراكز تعليم الكبار Center Adults learning: وهي مراكز نهارية مفتوحة لفترة أطول من المعتاد في التعليم العادي ولكل الكبار بأعمار تزيد عن (18 ) سنة، سواء ممن أنهوا التعليم الإلزامي أم لا، وقد تكون أبنية الجامعات أو الأماكن العامة مزودة بمعلمين ومستلزمات التدريب من تقنيات وأدوات. وهي تقدم مشاريع تتعلق بالاتصال والمعلومات وتعليم التجارة والمقاولات. إضافة إلى مشاريع أخرى.

ويواجه العديد ممن يلتحقون بهذه المدارس عقبات شخصية تتعلق بخبراتهم السابقة في التعليم وتقدير الذات وعدم الثقة، ولذلك يتم  تدريب أعضاء فريق العمل الذي يعمل في مجال تعليم الكبار حول كيفية  التعامل معهم وحل مشكلاتهم.

مدارس الفرصة الثانية SchoolsٍSecond Chance.. وهي مدارس تقدم برامج بهدف معالجة الأفراد الذين يتركون المدرسة مبكراً في حياتهم(18-30 )سنة.وهدف هذه المدارس تسهيل الاندماج الاجتماعي للشباب، وبخاصة للعاطلين عن العمل, الذين لم يكملوا تعليمهم الإلزامي. لقد أدت النظريات التقليدية في تعليم الكبار، سواء أكان هذا الكبير ممن دخل المدرسة وأخفق في التعلم أو ممن لم تتح له فرصة التعلم، إلى خشية الكبار من الإقبال على التعلم، ولطالما عبر بعضهم قائلا: "أنا كبير على الدراسة والتعلم" و أصحاب هذه النظرية يرون أنه من المحال شمول الجميع بالدراسة والتعلم، وأن الأنسب هو التركيز على النخب الثقافية التعليمية، حتى أن بعض علماء الاقتصاد ناقشوا مدى الجدوى الاقتصادية من تعليم الكبار.أما النظرية الحديثة والتي تأخذ بها مدارس الفرصة الثانية، فإنها ترى أن لدى الأفراد كلهم معارف ومهارات اكتسبوها من أوساط مختلفة، وأنهم مهيئون لاكتساب أية معلومات جديدة في ميدان اهتمامهم.فقد ركزت هذه النظرية  على مفاهيم حديثة مثل مفهوم الذكاء العملي أو التطبيقي  والذكاء الثقافي (CREA, 1998)

إن الأخذ بهذه النظرية ساعد المربين على تجاوز الكثير من المشكلات التربوية، بحيث أنهم يستطيعون المشاركة في العمليات كلها، لأنهم قادرون على التنسيق والدمج بين التعليم الحالي والخبرات التي امتلكوها.

ولذلك يُعطى الخريجون من هذه المدارس شهادات ثانوية دنيا تمكنهم من متابعة الدراسة الجامعية، كما تزودهم بشهادة خبرة تمكنهم من تلبية متطلبات سوق العمل المحلي..وكمثال على ذلك مدارس الفرصة الثانية في اليونان والتي حققت نجاحا ملموساَ.

  • مراكز وطنية للتدريب المهني:تولي هذه المراكز أهمية كبرى للمهارات اللازمة لأي سياسة توظيفية، وبهذا المعنى لأي سياسة اجتماعية واقتصادية.

وتركز في فعالياتها على أمور ثلاثة:

1 -  التعامل مع نوعية التدريب وكفاءته.

2 –  كيفية الحصول على التدريب المناسب.

3 –  ربط التدريب بحاجات الفرد والمجتمع.

وتعد حركة تعليم الكبار التي تم تأسيسها في اسبانيا عام 1997 نموذجا في التدريب المهني للكبار،وقد وصف أحد أعضاء (حركة تعليم الكبار) أهميتها قائلا:

( إن عدم الاهتمام  بتعليم الكبار وتدريبهم يزيد من نسب البطالة في المجتمع، فالعالم بأسره يعيش تغيرات واضحة في مطالب سوق العمل، الذي أضحى يحتاج إلى أناس متخصصين، يتمتعون بالكفاءة المهنية).

ولأجل ذلك وُضِعت استراتيجيات متنوعة لتعليم الكبار، وبما يتناسب وظروفهم وحاجاتهم الحياتية ومتطلبات العمل، وهي استراتيجيات تؤكد أهمية التعليم غير الرسمي وتعطيه قيمة كبيرة، سواء في محتوى برامج تعليم الكبار وبخاصة برامج الكفاءة المهنية ذات المستويات المتدرجة التي يحصل عليها المتدرب ويخضع لامتحاناتها التي تعتمد مقاييس وطنية محددة.  أو في اتخاذ السبل المساعدة لتحسين ظروف الدارسين أو في توفير التمويل اللازم لتعلمهم وتوجيههم.

  • وما لم يتم تدريب الكبار على مهارات استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وبخاصة خدمات الانترنيت، فإن ذلك سيعوق الارتقاء بمهارات المواطنة والتماسك الاجتماعي وقدرات المتعلمين إلى حد كبير.

وتعد فنلندا إحدى الدول الرائدة في مجال التدريب المهني للكبار، فقد طورت ضمن برنامجها الوطني المستدام مشروعها التدريبي المعنون ب(مشروع القراءة والكتابة لتشجيع التفكير النقدي) RWCT)) ووضعت لهذا المشروع أهدافا تركزت في:

- تحقيق أهداف طويلة الأمد وتقويم روابط الشراكة مع الدول المجاورة.

- تطوير آليات المساواة بين التعليم الرسمي وغير الرسمي.

- تطوير المفاهيم والآليات لتطبيق التعلم عن بعد لمنهج مناسب للمجتمع المعلوماتي        الحديث

- التكامل والتنسيق بين أهداف المحتوى التعليمي والتقنيات المستخدمة في برامج التعليم المستمر وفق متطلبات السوق

- التعاون والتفاعل مع الأنظمة التربوية العالمية والذي يتطلب اعتبار تعلم اللغة الأجنبية واكتساب مهاراتها جزء لا يتجزأ من برامج تعليم الكبار.

ومن أجل تشجيع التفكير النقدي، فقد وضعت استراتيجيات  تقوم على اعتماد اللغة الأم في التعلم

وتركت لكل متدرب العمل وفق رؤيته الخاصة وبما يعزز استقلالية المتدربين، ويعزز الديمقراطية، ويطور مفهوم المواطنة لدى المتعلمين.

وحرصت على تبني أفضل الممارسات لتأهيل المعلمين الذين يعلِمون الكبار وتدريبهم.

  • مركز المصادر والتوثيق: إن التنوع الثقافي والاجتماعي ترك أثره في ممارسات الفرد اليومية وفي أساليب تعلمه، ومنهجيته في البحث، وبسبب الزخم الهائل من المعلومات التي يحصل عليها الفرد من مصادر متنوعة، كان للتوثيق الصحيح أهمية كبيرة.
  • ويسهم هذا المركز في تطوير آليات البحث العلمي من خلال الدقة في تناول المصادر، والدقة في توثيق المعلومات.
  • الدوائر الحوارية: مع تطور التكنولوجيا، أخذ الحوار شكلا آخر، حيث شاعت وسائل الحوار الالكترونية أو الرقمية، والتي تعد أسلوبا عملياً فعالاً، يتم في ميادين تعليمية بلا حواجز، ويمكن للفرد أن يستمر في التعلم ضمن مجتمع المعلوماتية، وأن يظهر قدراته. وبخاصة نظم الاتصالات وتقنية المعلومات التي تجاوزت المكان والزمان، والتي ساعدت على توسيع طيف التفاعل الاجتماعي بين الأفراد. فطرق الاتصالات والمعلوماتية الحديثة تيسر التعلم في أي وقت وأي مكان في العالم Giddens,1990),) فالإبداعات التي حدثت وتحدث في التكنولوجيا أدت إلى تحول في العلاقات الاجتماعية، حيث أصبح الفرد في حياته الخاصة يعيش تنوعا في اللغات والثقافات، وأصبح مطلوبٌ من كل فرد أن يتقن مهارات التواصل وأن يقيم علاقات فعالة مع الآخرين.

وعمدت الكثير من الدول إلى توظيف الانترنيت لصالح تعليم المواطنين القراءة والكتابة والحساب، فقد أحدثت اسبانيا موقعا قرب برشلونة يعمل من التاسعة صباحا وحتى العاشرة مساء، وعلى مدار الأسبوع، بحيث يستخدم الأفراد الانترنيت مجانا في التعلم وفي التبادل الثقافي بينهم. مما مكنهم من تعلم موضوعات جديدة وهامة ويسَر لهم التفاعل مع الآخرين، والارتباط بالمجتمع الذي يعيشون فيه، وأن يمارسوا بوعي حقيقي الديمقراطية.

وتعد المنابر الأدبية الإلكترونية من الأساليب التي ساعدت المتعلمين لتوسيع نطاق تجربتهم في القراءة، حيث يعمد الأفراد إلى الاجتماع أسبوعيا عبر الانترنيت وقراءة كتب مختلفة ومناقشتها.

لقد ساعدت هذه الحوارات على الاحتكاك مع الآخرين والتعرف على ثقافتهم وحياتهم، مما زاد من تفاعلهم مع بعضهم، وساعد على تحقيق الأهداف. كما عززت الكثير من القيم الصحيحة لدى الأفراد، ومكنتهم من التخلص من المشكلات التعليمية.

إن أبرز ما يميز هذا الحوار هو أن الأفراد يتحاورون بلا حواجز قانونية أو اجتماعية تحدُ من تعلمهم.

مدن التعلم( المجتمعات التعليمية):

وتعرف مدينة التعلم على أنها مجموعة من العلاقات والروابط بين المؤسسات التعليمية، ومؤسسات تعليم الكبار، وأماكن العمل، والخدمات الاجتماعية والجهات المعنية باتخاذ القرارات على المستوى المحلي والوطني والعالمي.

إن مفهوم التعلم المستمر جعل العملية التعليمية تتجاوز ما يتم في المدارس إلى ما يسمى بالمجتمعات التعليمية.

فالمؤسسات التربوية وبخاصة الرسمية منها تركز اهتمامها على تعليم الأطفال والشباب، ولا تولي لتعليم الكبار الاهتمام ضمن خططها، ونتج عن ذلك اختلاف في مستوى التعليم بين الأجيال الهرمة والأجيال الشابة.

وقد أدرك المربون أن الأطفال الذين تم التركيز في تعلمهم على المدرسة وحدها ودون تعليم الكبار وإشراكهم في تعليم أبنائهم يواجهون إعاقة في التنشئة الاجتماعية والتنشئة الفكرية.

وكثيراً ما عبر أولياء الأمور عن حاجتهم إلى التعلم لكي يتمكنوا من مساعدة أبنائهم في تعلمهم.ولهذا كانت المدارس المجتمعية Community Schools التي تعنى بتعليم الأطفال وذويهم وأفراد المجتمع.

لقد مكنت المدارس المجتمعية المجتمعات التعليمية من تطبيق مبدأ التعلم للجميع من خلال معالجة المشكلات المدرسية وبخاصة ما يتعلق بضعف تحصيل التلاميذ، بفضل مشاركة أولياء الأمور والمتطوعين في المسائل التعليمية للأبناء Meller, 2000))

وقد حرصت المدارس المجتمعية على تعليم الآباء والأمهات القراءة والكتابة والرياضيات والحاسوب في الفترات المسائية. و يتصرف المشاركون في مدن التعلم بناءً على خطة لها أهداف محددة، وأولويات وأهمها المشاركة. وبهذا المفهوم، يُنظر إلى التعلم على انه نوع من التفاعل الاجتماعي والنشاط المجتمعي الذي يسعى لتحقيق رفاهية المواطنين، والتطور الاجتماعي، لذلك تعد مدن التعلم عنصراَ هاما في تحقيق التعليم مدى الحياة، إنها تجعل الفرد قادراَ على تحقيق التوازن والتوفيق بين المحلي والعالمي، بين عالمية الثقافة وخصوصية التقاليد المحلية، وتحقق التجاوب مع التغيير دون التنكر لذات الفرد وحريته.