التعليم الإلزامى ودوره فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية

فى جمهورية الصين الشعبية : دراسة حالة

 

 

 

 

 

 

 

دكتور/ نبيل سعد خليل

أستاذ التربية المقارنة والإدارة التعليمية المساعد

كلية التربية بسوهاج - جامعة جنوب الوادى
التعليم الإلزامى ودوره فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية

فى جمهورية الصين الشعبية : دراسة حالة

مقدمة :

إن نظام التعليم الرسمى منوط بالقيام بدور هام، خاصة فى الدول التى تخوض غمار عملية التنمية، فنظام التعليم عامل هام من عوامل نقل تصورات التنمية الى الأفراد، وكذلك ربطها بالأهداف العامة للتنمية، هذا فضلا عن توجيه الأفراد بالمهارات الفنية، بالإضافة الى إعداد قادة التحول فى مختلف مستويات الوضع الاجتماعى العام بأبعاده السياسية والاقتصادية (29: 91)0

وفضلا عن ذلك فإن العلاقة بين التعليم والتنمية وثيقة الصلة فالعديد من المجتمعات السائرة فى طريق التنمية تعانى من سيادة التفكير التقليدى، وتحكمها قيم جامدة، تقف فى سبيل التغير، وتعترض مجراه، ومن ثم فإنه عن طريق التعليم يمكن العمل على إزالة المعوقات الثقافية، وخلق اتجاهات علمية جديدة تساعد على تلافى جوانب القصور الناتجة عن بعض القيم الموروثة0

ويرى فيليب هـ0كومبز Philip H. Coombs أن تنمية الموارد البشرية من خلال النظام التعليمى تعتبر عاملا رئيسيا بالنسبة للتنمية الاقتصادية، وعنصرا هاما من الاستثمار القومى من أجل إعداد القوى البشرية الملائمة لمطالب هذا النمو (38: 40)0

ولا يقتصر تأثير التعليم كعنصر من عناصر التنمية الاقتصادية على دوره فى الاعداد للعمل وحده، فإن تأثير التعليم فى تكوين الشخصية والاعداد للمواطنة، قد لايقلان من حيث أهميتهما وفاعليتهما فى التنمية الاقتصادية عن الاعداد المباشر لممارسة مهنة0 إن كل الوظائف التى يقوم بها التعليم تؤثر فى انتاجية العمل، وبالتالى تؤثر فى عملية التنمية، حتى مالا يبدو منها ذا صلة مباشرة بالانتاج الاقتصادى، فمستوى تعليم الانسان، ونظرته للعلم، واتباعه للأسلوب العلمى فى حياته، وأراؤه نحو الأسرة والحياة العائلية 000 الخ، كل هذا يؤثر فى انتاجية عمله، وبالتالى فى عملية الانتاج الاجتماعى ككل (26: 83-84)0

كما يلاحظ أن التعليم فى الوقت الحالى لم يعد مجرد خدمة تؤدى لجماهير الشعب فحسب، بل أنه أصبح استثمارا قوميا من الدرجة الأولى، استثمارا يعمل على إعداد القوى البشرية التى تقوم على أكتافها مشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، هذه  المشروعات التى يجب أن تتوافر لها العمالة اللازمة بالعدد والنوع اللازم لكل نشاط، لذلك تهتم دول العالم حاليا بتقدير العائد من عمليات التعليم كوسيلة من وسائل ضبط اقتصادياتها القومية المادية منها والبشرية (30: 146)0

ومنذ عام 1949م مارست جمهورية الصين الشعبية تخطيط القوى البشرية بمعناها الدقيق، وكانت التنمية الوطنية هى الهدف الوحيد للتعليم، وقد عملت القطاعات الاقتصادية بنظام الخطط الخمسية، ونقلت الخطط الى وحدات العمل مثل المصانع والمناجم وكانت القوى البشرية عنصراً أساسياً فى هذه الخطط، كما كانت هناك خطط تفصيلية لكل قطاع ولكل وحدة، وبالتالى تم تخطيط التعليم طبقا لذلك كخطط للقوى البشرية (35: 63-64)0

لذا يهتم الشعب الصينى - فى الوقت الحالى - ببناء الصين القوية الحديثة، فمنذ نهاية هذا القرن حدد الصينيون أهدافهم وسجلوا نموا مطردا فى جميع المجالات الاقتصادية والصناعية والزراعية، كما تعمل الصين لمضاعفة انتاجها بحيث يزيد فى الميادين الصناعية والزراعية المختلفة، حتى تصبح الصين واحدة من أكبر الدول انتاجاً فى العالم، لذا فإن أهم القطاعات التى يبذل الصينيون فيها الجهد الأكبر هو قطاع التعليم الذى يقع عليه العبء فى برامج التحديث والتطوير (23: 227-228)0

 

موضوع البحث:

تشير الكثير من الدراسات والبحوث الى أن فوائد التعليم عديدة وظاهرة للعيان00 فقد أثبتت معظم الدراسات والبحوث التى أجريت على استخدام الاستراتيجيات التعليمية فى المجالات الانتاجية أن الأفراد من ذوى المستويات التعليمية يؤدون أعمالا أفضل من غيرهم، أى ينتجون ويصنعون أكثر وأفضل - من غيرهم الأقل تعليما أو الأميين- فى وحدة زمنية مماثلة، كما أنهم يستجيبون للمتطلبات التكنولوجية واستراتيجيات التنمية بصورة أسرع، ولديهم القدرة على التلاحم بسهولة مع المخططين والأخصائيين فى مجالات الانتاج(18: 23)0

ويرجع التقدم الاقتصادى الذى حدث فى جمهورية الصين الشعبية مثلا الى آثار ونتائج النظام التعليمى الالزامى، والتمسك بالقيم الخلقية، مما أدى الى خلق قوى عاملة راغبة فى إحداث التقدم0

واستخدمت الصين التربية فى عملية التنمية، فوضعت سياسة قومية تعترف بأن التربية مطلب أساسى من مطالب التنمية، وأصبح هناك ميدان هام يهدف الى خلق الرغبة فى احداث التقدم لدى العنصر البشرى وخلق الانسان المدرب لإحداث التنمية الاقتصادية- ولقد اهتمت الصين بالانسان الذى يتوافر لديه الوعى بأهداف التنمية والتخطيط، المدرب على أساليب التنفيذ والمتابعة، الإنسان القادر على العطاء من أجل تطوير كافة الأوضاع التى تسود المجتمع0

لذلك تبنت جمهورية الصين الشعبية المبادئ التربوية الجديدة التالية (27: 280):

-   صياغة أهداف جديدة محددة للتربية، ذات طابع عملى، مرتبطة بحياة الناس والمطالب الملحة للمجتمع0

-   وضع التعليم والثقافة فى خدمة الشعب، وتمكين جميع أفراد الشعب وخاصة الطبقات العاملة من الوصول اليهما0

-   ربط التعليم بالعمل والانتاج، وغرس حب العمل ومهاراته والقدرة عليه والرغبة فيه فى نفوس المتعلمين0

-   الاعتماد بدرجة كبيرة على التعليم الذاتى والعمل والمساعدة المشتركة0

-   اشتراك المعلمين والتلاميذ فى العمل وتبادلهم الخبرات النظرية والعملية0

-   تشجيع الممارسة الديمقراطية فى التعليم لتنمية روح النقد والتفكير المستقل0

-   التركيز على التوجيه الأيديولوجى للمتعلمين0

لذا يرجع التقدم الذى حدث فى جمهورية الصين الشعبية الى آثار ونتائج النظام التعليمى، فقد أدى ازدهار التعليم واتاحة فرصة أمام جميع الراغبين فيه الى توثيق العلاقات الاجتماعية وتعميقها، وزيادة الشعور بالانتماء، والولاء والتماسك، وارتفاع مستوى المرأة واحترامها، الى غير ذلك من مؤشرات التقدم0

وفى ضوء ما سبق يتحدد موضوع البحث فى ضرورة التعرف على المفاهيم والمتطلبات المتصلة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية فى المجتمع الصينى المعاصر وإتساق الأساسيات والأهداف التى يقوم عليها التعليم الالزامى معها مما يسهم فى تحقيق صالح الأفراد والمجتمع0

تساؤلات البحث:

       يمكن صياغة موضوع البحث فى التساؤلات التالية:

-   ما المقصود بمفهوم التنمية ومجالاتها فى المجتمع الصينى المعاصر؟

-   ما المقصود بمفهوم التعليم الالزامى وأهدافه فى جمهورية الصين الشعبية؟

-   ما دور التعليم الالزامى فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية فى جمهورية الصين الشعبية؟

أهمية البحث:

       تعود أهمية البحث الى العوامل التالية:

-   تعد التجربة الصينية من التجارب التى تستحق الدراسة لما أحرزته من تنمية شاملة مادية وبشرية فى آن واحد، فلقد فوجئ العالم فى السنوات الأخيرة بنجاح التجربة التنموية فى الصين، ومن هنا فما حدث ويحدث هو إنجاز يستحق التأمل والدراسة.

-   تعد جمهورية الصين  الشعبية من الدول الرائدة التى اهتمت بتطوير وتجديد نظامها التعليمى من خلال القرار الذى اتخذته الحكومة الصينية فى شهر مايو 1985م بالموافقة على إجراء اصلاح تربوى شامل فى الصين، من أجل الوصول بالصين الى مصاف الدول المتقدمة فى مجال التطور الاجتماعى والاقتصادى، وذلك فى النصف الأول من القرن الحادى والعشرين0

-   ولما كانت الصين من الدول الرائدة فى مجال التربية والتعليم وتتشابه فى ظروفها مع الأحوال التى عاشتها مصر، لذلك تتناول هذه الدراسة التعليم الإلزامى ودوره فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية فى جمهورية الصين الشعبية، التى أحرزت نجاحاً تنموياً كبيراً.

أهداف البحث:

إن الهدف من دراسة النظم التعليمية الأجنبية يمكنها أن تزيد من قدرة الباحثين على فهم النظام التعليمى فى بلادهم، والمشكلات التربوية المتعلقة به، كما تزيد من قدرة المسئولين عن إصلاح التعليم فى بلد معين على الاستفادة من الجهود والأخطاء التى وقع فيها زملاؤهم فى بلد آخر، وتجعل الباحث أكثر تواضعا ونقدا بالنسبة لنظام التعليم فى بلاده، وأقل تعصبا ضد النظم التعليمية فى بلاد غيره0

ودراسة النظم التعليمية للدول المتقدمة تقدم صورا للسياسات التربوية اللازمة لايجاد فرص أفضل لحياة الانسان، وتكشف عن طبيعة المشكلات القائمة والحلول التى اتخذتها الدول المختلفة إزاء هذه المشكلات وفقا لظروفها الخاصة، وبالتالى تحاول الكشف عن القوانين التى تحكم التحركات التربوية فى النظرية والتطبيق، وفى نفس الوقت تتعرف على ثقافات الشعوب المختلفة، وتساعد كثيرا من الدول فى الاستفادة من التطورات العلمية من أجل ربط التعليم بالحياة العملية والانتاج (24: 21-31)0

ويهدف البحث الحالى إلى:

-   التعرف على مفهوم التنمية ومجالاتها فى المجتمع الصينى0

-   التعرف على دور التعليم الإلزامىفى جمهورية الصين الشعبية فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية0

-   التعرف على تجربة جمهورية الصين الشعبية فى مجال التعليم الالزامى، يعتبر من الأمور المساعدة على فهم الكثير من مشكلات التعليم الأساسى فى بلادنا، وكذلك على تجنب الأخطاء الناتجة عنها0

حدود البحث:

تتحدد حدود البحث فى دراسة الاطار العام لمفاهيم التنمية والأساسيات التى يجب أن يقوم عليها التعليم الالزامى فى جمهورية الصين الشعبية، ولا يدخل فى إطار البحث بصورة مباشرة برامج وخطط التنمية، سواء كان ذلك على المستوى القومى أو المحلى، حيث أن هذه البرامج متعددة ومتنوعة، فهى متعددة بتعدد مجالات التنمية وأهداف عملية التخطيط، ومتنوعة بتنوع البيئات المحلية على مستوى الأقاليم والمقاطعات وإمكانات ومشكلات كل منها0

منهج البحث:

نظرا لأن طبيعة المشكلة هى التى تحدد المنهج، استخدم الباحث فى هذه الدراسة المنهج التحليلى لتحليل الظاهرات المتنوعة والتى لها صلة بنظام التعليم الإلزامى فى جمهورية الصين الشعبية، كما استخدم الباحث المنهج التاريخى فى بعض أجزاء من الدراسة، حيث قام بوصف وتسجيل ما وقع فى الماضى من الأحداث التى شكلت حاضر المجتمع الصينى0

خطوات البحث:

       يسير البحث وفقا لخطواته المنهجية على الأساس التالى:

أولا : الاطار العام للبحث ويشمل: المشكلة ، تساؤلات البحث ، أهميته ، أهدافه ، حدوده ، منهج البحث ، خطوات البحث0

ثانيا : مفهوم التنمية ومجالاتها فى المجتمع الصينى0

ثالثا : التعليم الإلزامى : مفهومه ، سماته ، وأهدافه فى جمهورية الصين الشعبية0

رابعا : التعليم الإلزامى ودوره فى التنمية الإقتصادية والاجتماعية فى جمهورية الصين الشعبية0

ثانيا : مفهوم التنمية ومجالاتها فى المجتمع الصينى

لقد كانت تجربة التنمية فى المجتمع الصينى نقلا حرفيا لنموذج التنمية السوفياتية، إلا أن هذا التقليد الصينى للتجربة السوفياتية لم يتجاوز الانطلاقة، ومن ثم بلورت الصين لنفسها أسلوبا آخر، مخالفا للأسلوب السوفيتى0

ولا يرجع سبب التقليد الصينى للنموذج السوفياتى فى الانطلاقة الأولى للتجربة الى الدعم المالى والتقنى السوفيتى للنمط الصينى فى السنوات الأولى لاعادة البناء بعد سنة 1949م فقط، بل أن هناك أسباب أخرى جعلت النموذج الصينى يقتدى بالنموذج السوفياتى من أهمها ما يلى(29: 38):

-   التحدى المحتوم الذى واجه النظام الاشتراكى وخاصة فى بداياته الأولى0

-   المقاومة التى لاقاها النموذج الصينى من طرف الطبقة الاجتماعية الصينية التى ورثتها حكومة الصين الاشتراكية، وتكذيباتها لمقولات النظام الجديد0

-   عجز مساحة الأراضى الزراعية فى الصين على خدمة الصناعة0

وفى ضوء هذا لم يتمكن النموذج الصينى المنقول من المحافظة على بقائه فى المجتمع الصينى الجديد، وبهذا كان لابد من حدوث الانتفاضة الكبرى فى عام 1958م0

وقد شكلت هذه الانتفاضة تغييرا جذريا أدى الى انفصال النمط الصينى عن الاستراتيجية السوفيتية فى التنمية، وتحديد نمط جديد تتلخص أهم محاوره فى النقاط التالية (29: 39):

-   إعادة التركيز على حاجات التنمية الزراعية0

-   اللامركزية الجماعية0

-   تحويل الحد الأقصى من العمال بهدف خلق رأس المال، أكثر من الاتكال على الاستثمارات الرأسمالية والتكنولوجية الحديثة0

-   تنشيط الصناعات صغيرة الحجم، والممولة محليا0

-   التركيز على الاكتفاء الذاتى الجهوى0

-   تنشيط الزراعة لمواجهة احتياجات الصناعة0

وقد عملت الصين من خلال دقة التطبيق المبدئى والمتزامن على تنمية القوى الانتاجية التى تمثل بالنسبة لها اختبار أول0 وقد سمحت فى نفس الوقت وبصفة تدريجية بتحويل علاقات الانتاج بشكل متوائم مع القوى الانتاجية0 ومن أجل تحقيق التزامن المبدئى- رفع شعار “ماو تسى تونج” الشهير “للسير على قدمين"0 وذلك بهدف تطبيق التنمية المتكافئة على كافة قطاعات الاقتصاد، وكذلك على فروع الصناعة المختلفة هذا علاوة على أحجام المنشآت، وأنواع التكنولوجيا المختلفة بما فى ذلك مضمون عمل تلك التكنولوجيا مع إهتمام خاص بأشكال الملكية، ووسائل الانتاج (ملكية الدولة، الملكية الجماعية)0 كما أن تطبيق اللامركزية قد سمح بالتقدير الصحيح للأشكال المختلفة للعمل (العضلى - العقلى - الزراعى - الصناعى  - الخبرة التكنولوجية - الحالة السياسية)0 وهكذا سمح بتطبيق العدالة فى توزيع الانتاج الاجتماعى0

لذا يمكن القول بأن إستراتيجية "ماو تسى تونج" الاقتصادية كانت على طول الخط حلا وسطا، واقعيا، بين ترجمة الماركسية اللينينية، والتجربة السوفياتية، والواقع الاجتماعى الإقتصادى فى الصين0 أى أن التنظيم السياسى الاقتصادى للصين هو نوع من الالتحام والتماذج بين الفكر الماركسى اللينينى والتراث الصينى العريق0

مفهوم التنمية :

ليس هناك اتفاق على تحديد معنى التنمية، وقد حاول الكثيرون تناول هذا المعنى من وجهات نظر متباينة0 فيرى بعض الباحثين أن التنمية هى عملية تحرر ونهضة حضارية، قوامها تعبئة الطاقات الذاتية وتنظيمها وتوجيهها لغرض الانعتاق عن شبكة علاقات السيطرة/ التبعية التى تحكم النظام الاقتصادى الدولى القائم من ناحية، واشباع الحاجات الأساسية، المادية والمعنوية لجماهير الشعب، كأولوية أولى، مع رفع مستوى رخاء المجتمع - كل المجتمع باطراد، من ناحية أخرى(14: 208).

إن التنمية عملية شاملة تتناول مختلف مقومات الحياة الاجتماعية معتمدة فى ذلك على تخطيط شامل لمختلف النواحى الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع القومى وتسير فى اتجاه محدد لتحقيق أهداف محددة متفق عليها، وهى ايضا عملية تغيير اجتماعى يؤدى حتما إلى تغيير بنائى، الأمر الذى يتطلب بالضرورة التنظيم والتنسيق بين مختلف نواحى التنمية لمساعدة المجتمع فى عملية إعادة متكاملة(2: 165، 212).

وإذا نظرنا الى مفهوم التنمية من خلال تحليل مضمونه- لوجدنا أن التنمية هى ذلك التعبير المعنوى الذى يدل على العملية الديناميكية المكونة من سلسلة من التغييرات الوطنية والبنائية اللازمة لبقاء الكائن الحى ونموه فى بيئته، وتطبيقا لمفهوم تنمية الكائن الحى فى المجتمع، يمكن تفسير مصطلح التنمية كمدلول لاحداث سلسلة التغييرات الوظيفية والبنائية لنمو المجتمع، وذلك بزيادة قدرة أفراده على استغلال الطاقات المتاحة للمجتمع الى أقصى حد ممكن، وبطريقة تحقق له أهدافه (5: 87).

وفى ضوء ما سبق يمكن القول بأن التنمية مفهوم معنوى يعبر عن ديناميكية تتكون من سلسلة من التغييرات الوظيفية والهيكلية فى المجتمع تحدث نتيجة للتدخل الارادى لتوجيه التفاعل بين الطاقات البشرية فى المجتمع وعوامل البيئة بهدف زيادة قدرة المجتمع على البقاء والنمو، وهكذا يتضح أن التنمية هى العملية التى يمكن بها توحيد الجهود لكل من المواطنين والحكومة لتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية فى المجتمعات، وذلك لمساعدتها على التقدم بأقصى صورة ممكنة(20: 86).

التنمية الاقتصادية فى المجتمع الصينى:

مما لاشك فيه أن الصين قد حققت منذ سنة 1949م وحتى الآن ما يشبه المعجزة الاقتصادية أو هى المعجزة نفسها0 فبالرغم من أن كلا من ألمانيا الغربية واليابان خرجت من الحرب العالمية الثانية محطمة اقتصاديا وسياسيا إلا أن هاتين الدولتين استطاعتا فى غضون سنوات قليلة أن تحققا ما اصطلح على تسميته بالمعجزة الاقتصادية، تلك المعجزة التى ساعدتهما على الوصول الى المركز القيادى فى الاقتصاد العالمى، واليوم تظهر فى الأفق معجزة اقتصادية ثالثة فى جمهورية الصين الشعبية وإن كان أسلوب تحققها يختلف عن أسلوب تحقق المعجزتين الأوليين إلا أنها تتشابه معهما من حيث التوقيت والاصرار (13: 249)0

والواقع أن جمهورية الصين الشعبية فى تقدمها الاقتصادى المعاصر وفى تنظيمها التخطيطى الدقيق لاقتصادها القومى قد حققت أكثر مما حققته كل من اليابان وألمانيا الغربية0 فمعدل نمو الناتج القومى الصينى يتراوح بين 10% ، 11% فى السنة وهذا المعدل- وإن كان يماثل المعدل الذى تحققه اليابان حاليا- إلا أن نقطة الانطلاق التى بدأت منها الصين فى بداية الثورة كانت منخفضة جدا، اذا ما قورنت بتلك التى بدأت منها اليابان بعد الحرب العالمية الثانية (13: 249-250)0

وانطلاقا من مبدأ تطبيق الماركسية اللينينية كمرشد، وأفكار "ماو تسى تونج" وفق ظروف الصين الخاصة، وانطلاقا من قرارات اللجنة المركزية فى ديسمبر 1978م0 بدأت القيادة الجديدة العمل بمنهج إقتصادى متطور فيه التجربة، وعمدت الى تبنى اساليب الاقتصاد الكلى من حيث الضرائب والقروض والتبادل الخارجى وتحديد نسبة الفائدة مع الاشراف والتوجيه0 وابتعدت عن أساليب الاقتصاد الجزئى المتمثلة فى تدخل الحزب تدخلا مباشرا فى إدارة وحدات الانتاج صغيرة كانت أم كبيرة، فى محاولة لتحقيق توازن دقيق بين السيطرة السياسية والاقتصادية المركزية وبين المبادرات الفردية والاعتماد على عوامل السوق (15: 141).

ويمكن حصر مجالات التنمية الاقتصادية فيما يلى:

  •  الزراعة :

منذ عام 1949م بدأت عملية اقتصادية بعيدة المدى تهدف الى اشتراكية الزراعة، فقد تم تصفية أملاك كبار الملاك الزراعيين وحلت الدولة محلهم بشكل تدريجى مع اعطاء هؤلاء الملاك فائدة صغيرة على ممتلكاتهم المؤممة0 إلا أن الدولة لم تكتف بذلك وإنما اتجهت قدما نحو انشاء جمعيات المزارع التعاونية المشتركة فيما بين الدولة والأفراد، تطورت الى جمعيات الانتاج التعاونية وفيها تمتلك الدولة كل الأراضى، وهى الجمعيات التى أنشئت عام 1957م، ومع ذلك فلم تكن هذه الخطوة الأخيرة هى نهاية المطاف، فقد طورت الحكومة الصينية نظام الانتاج الزراعى من انتاج فى ظل الجمعيات التعاونية الى انتاج فى ظل الكوميونات الذى يعتبر آخر ماوصل اليه التنظيم الزراعى فى الصين (13: 259-260)0

وقد بدأ نظام الكوميون عام 1958م كتطور حتمى لنظام التعاونيات الزراعية، وهو نظام يخدم اغراضا متعددة فهو أداة للانتاج الزراعى والحيوانى وفى نفس الوقت إدارة للخدمات الصحية والتعليمية والدفاعية، وهو- فى بعض الأحيان- يخدم اغراضا صناعية أيضا فهو وحدة زراعية صناعية تعليمية صحية كاملة0 والكوميون عبارة عن قرية كبيرة - أو مجموعة قرى صغيرة- تضم فيما بينها ما يقرب من 24 ألف نسمة تجمعهم وحدة العمل سواء أكان زراعيا أم صناعيا أم تقديم خدمات تعليمية أو صحية0

ويمتلك الكوميون الأرض والمعدات الآلية الكبيرة منها والصغيرة والآلات الكهربائية، وللحكومة المركزية مكاتبها وموظفوها فى داخل كل كوميون0 فهناك موظفوا التعليم والصحة والإسكان000 إلخ0 ولكن الكوميون هو الذى يشرف على هؤلاء الموظفين0 وللكوميون سلطات خاصة به فله الحق فى انشاء مدرسة أو مستشفى من أمواله الخاصة اذا لم تكن هناك اعتمادات من الحكومة المركزية كما له الحق فى انشاء ورش صغيرة لخدمة بعض اغراض الكوميون كاصلاح وصيانة وحفظ الآلات، طالما كانت لديه الأموال الكافية (13: 260-261)0

ففى عام 1992م وصل اجمالى قيمة انتاج المؤسسات الريفية فى الصين الى 1650مليار يوان، وبلغت قيمة صادراتها 110 مليارات يوان0 أما عدد المشتغلين فى هذه المؤسسات الريفية فقد تجاوز 100 مليون فرد، وهذا العدد يفوق عدد العمال والموظفين الذين يشتغلون فى المؤسسات والمصانع الحكومية (7: 46)0

وفى نفس العام وقعت مقاطعة فوجيان اتفاقيات لمشروعات تنموية زراعية بما يزيد عن مليار دولار أمريكى خلال معرض "سلة الخضروات" الذى اجتذب آلاف الزوار وكان هدفه جذب الاهتمام الى المحاصيل الزراعية الوافرة بهذه المقاطعة فى شرق الصين ولفت الانتباه الى المنتجات الخاصة والممتازة، وقد ابدى الأجانب اهتماما كبيرا بمشروعات التنمية الزراعية هناك، فوقعت تسع ولايات 335 اتفاقية وكتابا بهذا الشأن مع مستثمرين أجانب، وتجاوزت قيمة هذه الاتفاقيات 1.5 مليار دولار أمريكى (6: 61)0

وباختصار فإن سلسلة الإصلاحات التى طرأت على ريف الصين قد مهدت ظروفا مناسبة لتطوير اقتصاد السوق كما أن الفلاحين الذين يشكلون قواما رئيسيا لاقتصاد السوق قد أصبحوا ذوى خبرة من خلال ممارستهم للأعمال الانتاجية والاقتصادية0

  • الصناعة والتجارة :

لقد جاء التطور الصناعى متأخرا جدا فى الصين بسبب احتقار المجتمع الكونفوشى للتجارة، وبسبب العلاقات التى تطورت مع القوى الأجنبية أثناء السنوات التى تبعت حرب الأفيون، ومعظم الاستثمارات حدثت فى السكك الحديدية، والمناجم، وأعمال النسيج0

وخلال الفترة من عام 1949م الى عام 1966م تغير الموقف بدرجة كبيرة، لدرجة أن الزائرين لمعرض شانغهاى الصناعى- المعرض الدائم للبضائع المنتجة- قد ذهلوا بنوعية وجودة المواد والآلات والبضائع المعروضة للمستهلكين (39: 88)0

وقد أشرفت الخبرة السوفيتية على الخطة الخمسية الأولى فى الصين (1953-1957م)، وأكدت على ضرورة تطوير القدرة والانتاج فى الصناعات الثقيلة مثل صناعة الحديد والصلب، والفحم، والطاقة الكهربائية، والبترول، والأسمنت0 ورأت القيادة السياسية فى الصين أن سياسة اعطاء أولوية لتطوير الصناعة الثقيلة هى السياسة الصحيحة الوحيدة التى تجعل مجتمعهم قويا وناجحا، وهى التى تخلق السعادة للشعب الصينى(39: 89)0

وقد تم تأميم المشروعات التى تنتمى الى كل من: مجرمى الحرب، والمتعاونين مع العدو، وأصحاب رؤوس الأموال البيروقراطيين، والحكومة السابقة، أو القوى الأجنبية وخاصة اليابان0

وفى الصناعات الزراعية اهتمت الصين بتطوير صناعة السمادات الصناعية، والمواتير الكهربائية الصغيرة، والمضخات، والجرارات اليدوية مع الأخذ فى الاعتبار عدم التخلى عن الفلاحين فى زراعة الأرض وخلق مشكلات البطالة الزائدة0 وقد كان الموقف فى عام 1966م فى بداية الخطة الخمسية الثالثة (1966-1970م)، فى منتصف الثورة الثقافية البروليتارية العظمى، هو أن الانتاج الصناعى كان حوالى 50% زيادة عما كان فى عام 1957م، وكان التطوير فى مجالات صناعة البترول، والكيماويات والأسلحة الذرية سباقاً للمجالات الأخرى (39: 90)0

ومع التقارب الصينى اليابانى الأمريكى فى أواخر السبعينات، وتوقيع معاهدة سلام بين الصين واليابان فى عام 1985م زاد حجم التجارة الخارجية فى الصين من 12% من مجموع الناتج القومى سنة 1980م الى 26% من المجموع فى عام 1985م، كما اتجهت الصين نحو تنشيط الاستثمار الأجنبى مع الاحتفاظ بالنهج الاشتراكى، وأعلنت عن قيام مشاريع استثمارية مشتركة صينية أجنبية، وبدأت العمل بنظام منح البراءة بفتح مصانع أجنبية بقصد الإفادة من التكنولوجيا (التقانة)، وجرى فتح المناطق الاقتصادية الخاصة، التى يختلط فيها الاستثمار الخاص بالتوجيه المركزى0 ومنحت الحكومة الصينية صلاحية توقيع عقود مشاريع الاستثمار المشترك لبناء مصانع برأسمال وإدارة أجنبية الى 14 مدينة على ساحل الصين نفذت مئات المشاريع كان نصيب الولايات المتحدة منها مائة مشروع بنسبة 10%، بينما أخذت هونج كونج نصيب الأسد (حوالى 80% من مجموع المشاريع)، وبلغ الاستثمار الأمريكى فى الصين فى عام 1985م 8.8 بليون دولار بزيادة قدرها 26% عما كان عليه فى عام 1984م، وشكل هذا التبادل نسبة 11.6% من مجمل التجارة الخارجية الصينية، واحتلت الولايات المتحدة الأمريكية المرتبة الثالثة فى تجارة الصين بعد اليابان وهونج كونج وتركز التصدير الأمريكى الى الصين حول الحبوب، الأسمدة، قطع غيار الطائرات المدنية، وأجهزة التنقيب عن النفط (15: 142).

وفى ضوء ما سبق يتضح اهتمام الشعب الصينى- فى الوقت الحالى- ببناء الصين القوية الحديثة، ففى السنوات العشر الأخيرة حدد الصينيون أهدافهم وسجلوا نموا مطردا فى جميع المجالات الاقتصادية والصناعية والزراعية، كما تعمل الصين لمضاعفة انتاجها بحيث يزيد فى الميادين الصناعية والزراعية المختلفة، حتى تصبح الصين واحدة من أكبر الدول انتاجاً فى العالم0

فقد حقق الاقتصاد الصينى نمواً سريعاً على مدى الـ 15 سنة التى مضت على انتهاج سياسة الاصلاح والانفتاح ويتمثل هذا الانجاز فى النقاط الرئيسية التالية (7: 31):

-   استمرار النمو الاقتصادى بمعدلات مرتفعة بلغ متوسطها السنوى 8.9% حيث ازداد الناتج القومى للصين سنة 1992م بنسبة 12.9% عن السنة السابقة، ووصلت هذه النسبة الى نحو 13% فى سنة 1993م0

-   قطعت مسيرة الانفتاح على الخارج أشواطا كبيرة، حيث ازداد حجم الاستثمارات الأجنبية بصورة ملحوظة0

-   تعاظم دور آليات السوق فى القاعدة الاقتصادية0

-   تحسن مستوى معيشة المواطنين فى المدن والأرياف سنة بعد أخرى تحسناً ملحوظاً0

كما أن الانتاج الصينى اصبح يتميز بارتفاع جودته، وأصبح شعار “صنع فى الصين” شعاراً عالمياً، يعنى الجودة المرتفعة، ويشكل عامل جذب للأسواق فى مختلف دول العالم، وتعد الولايات المتحدة الأمريكية واليابان والمجموعة الأوربية اسواقا رئيسية للمنتجات التحويلية الصينية والتى بلغت قيمتها حوالى 24.1 مليار دولار أمريكى عام 1993 (8: 63)0

إن هذه المنجزات للإقتصاد الصينى ترجع فى المقام الأول الى أن الدولة قد وجدت طرق تنموية متفقة مع ظروفها الواقعية، وهو سياسة الاصلاح والانفتاح التى رسمها الرئيس "دنغ شياو بيتغ"0

  • التنمية الاجتماعية :

لقد اختلفت الاتجاهات الفكرية حول ذلك المفهوم، فالبعض يرى أن هذا المفهوم مرادف لاصطلاح الرعاية الاجتماعية بالمعنى الضيق لمفهوم الرعاية، والبعض يطلق اصطلاح التنمية الاجتماعية على الخدمات التى تقدم فى مجالات التعليم والصحة والاسكان والتدريب المهنى وتنمية المجتمعات المحلية، وهى بهذا تهدف الى توفير الخدمات التى تحقق أقصى استثمار متاح للطاقات والامكانيات البشرية الموجودة فى المجتمع، والمفهوم الشائع استخدامه فى الوقت الحاضر عن التنمية البشرية، إنها عبارة عن تغير اجتماعى يلحق بالبناء الاجتماعى ووظائفه بغرض اشباع الحاجات الاجتماعية للأفراد (19: 25)0

كما أن البُعد الاجتماعى للتنمية يشتمل على تحليل القوى الاجتماعية السائدة فى المجتمع وطبيعة السلطة ونظام الحكومة ومدى مشاركة الجماهير فى صنع القرارات، بل أن الجانب السياسى بكامله يعتبر جزءا من البعد الاجتماعى للتنمية (12: 179)0

ويمكن تعريف التنمية الاجتماعية بأنها مفهوم معنوى يعبر عن عملية ديناميكية تنتج من التداخل الارادى للمجتمع فى توجيه التفاعل بين الطاقة التنموية للمجتمع والنسق الاجتماعى والاقتصادى له، وهدف التنمية الاجتماعية اتاحة السلع والخدمات التى يؤدى الانتفاع بها الى احداث سلسلة تراكمية من التغييرات الوظيفية فى الموارد البشرية للمجتمع تزيد من قدرتها على الاسهام فى بقاء المجتمع ونموه باحداث التغييرات الهيكلية اللازمة لذلك- وتظهر التنمية الاجتماعية فى الخدمات التى تقدم للأفراد فى المجالات الترفيهية ومجالات التعليم ورعاية الشباب والرعاية الاجتماعية والصحية والعمل0

وفى ضوء ذلك يمكن حصر أهم مجالات التنمية الاجتماعية فى المجتمع الصينى فيما يلى:

  • التعليم :

وهو ما سيتعرض له الباحث فى المحور الثالث من البحث، ولكن يود أن يشير الى أن التعليم لايعتبر فقط نوعاً من الخدمات التى تقدمها الدولة لأبناءها، بل صورة من صور الاستثمار البشرى الذى بدونه لاتتحقق أهداف التنمية، بل تعتبر صورة من البرامج النظرية الوهمية صعبة المنال، والعلاقة بين التعليم وبرامج التنمية يجب أن تكون علاقة موجبة قوية، كما أنها علاقة تأثير وتأثر متبادلة يؤدى التوافق والاتساق بينهما الى التنمية الشاملة والحياة الاجتماعية الأفضل0

  • محو الأمية والتعليم الشعبى:

احتل التعليم مكانة خاصة فى الثقافة والمجتمع الصينى، كما قال آرثر رايت Arthur Wright أن قيمة الكلمة المكتوبة فى الصين سوف يكون لها تأثير أكبر على الحضارة الصينية عن أى مكان آخر (40: 49)0

لذا تهتم الصين بتعليم عدد كبير من الكبار وفقا لظروفهم المختلفة، وذلك من خلال حملات محو الأمية بين الأهالى والجنود، فهناك مدارس خاصة للفلاحين والعمال وهذه المدارس جميعها تعطى دراسات قصيرة المدى لبضعة أشهر، فهناك المدارس الشتوية المقامة فى ركود الموسم الزراعى، والمدارس المقامة فى خارج وقت العمل، وفرق التدريس المخصصة للنساء المرتبطات بالشئون المنزلية، والمدارس التى تديرها المصانع فى أوقات الفراغ وغيرها (23: 127)0

وبناء على دستور 1978م كان التعليم قد أعطى أول مهمة له فى فترة جديدة لتدريب أكبر عدد من العمال والمثقفين، وكذلك لرفع المستوى العلمى والثقافى للأمة كلها، وذلك بالتحسن الكبير فى كيف التعليم على جميع مستوياته، لتخريج الأفراد المؤهلين نظريا وعملياً (17: 354)، ومن هذا المنطلق استعادت برامج محو الأمية انطلاقها، وقد تم محو أمية 20 مليون شخص فى السنوات الثلاث الماضية، وتغلبت حوالى 30 مدينة وكوميون وولاية واقليم تماماً على الأمية، أما الباقون فإنهم مستمرون فى كفاحهم (32: 64)0

  • الاسكان :

يعنى المفهوم الحديث للإسكان بالمسكن والمرافق المصاحبة له والحى والعوامل اللازمة لتوفير الإقامة والحياة المناسبة داخل المسكن والحى الذى يوجد فيه، ويعتبر الاسكان ومرافقه من المشكلات التى تواجه البلاد النامية، وأصبحت هناك ضرورة ملحة لتخطيط الاسكان بما يتناسب وظروف العصر وإقامة المدن والمستوطنات الجديدة (3: 28)0

وفى الصين يقدم الكوميون مساعدات للأشخاص الذين يمنعهم المرض من العمل، كما يعطى ضمانات مادية لكبار السن وغير القادرين عن العمل، ويمتلك كل فلاح فى الكوميون المنزل الذى يقيم فيه، وله حق استعمال الأرض الصغيرة التى حول المنزل يزرع فيها ما يشاء وبذلك يصبح مسكن الفلاح مجانا وكذلك جزءاً كبيراً من غذائه من الخضروات التى يزرعها فى هذه الأرض الصغيرة (15: 261)، كما يقدم الكوميون خدمات تعليمية وصحية ودفاعية لجميع الأفراد المقيمين فيه0

  • التعاون والقيادة الجيدة :

تتركز آراء الزعيم الصينى "ماو تسى تونج" حول مبدأ "الخط الجماهيرى" الذى يقوم على أساس أن الجماهير فى تفكيرها الجمعى تصل دائما الى الصواب، وحتى عندما تحدث أخطاء فإنها أقل وأسهل فى تصويبها من أخطاء الاستبداد والحكم الفردى أو حكم الأقليات، واذا أردنا أن نرتبط بالجماهير فلابد من أن نعمل وفق حاجاتها ورغباتها لاوفق رغباتنا الشخصية، حتى وإن كنا نعمل وفق ما نتصور أنه فى صالح الجماهير0 يجب أن تبدأ السياسة بما تحس الجماهير أنها فى حاجة اليه فى الوقت الحاضر، وليس بما يفكر فيه القادة والمثقفون (27: 257)0

إن العلاقة بين القادة والشعب علاقة تفاعل متبادل، يتعلم القادة من الجماهير ماذا تريد وماذا ترى، ثم يرسمون سياسة مبنية على هذه الحاجات والآراء، ثم يقدمون هذه السياسة الى الجماهير ويحصلون على موافقتها، ثم يختبرون السياسة بتطبيقها، ويعدلون فيها وفقا لنتائج التطبيق ولرأى الشعب فيها، وفى جميع الأحوال يجب أن يحذر القادة من التعالى على الجماهير أو الانعزال عنها (27: 258)0

وفى ضوء ما سبق يتضح أهمية تدعيم العلاقات بين افراد المجتمع وتكوين الاتجاه لديهم بالانتماء الى المجتمع وأفراده، وتلعب القيادة الناجحة دورا فى نجاح مشروعات التنمية، فالقيادة الناجحة لها دور فعال فى اسلوب اتخاذ القرارات والسماح لأفراد المجتمع بالمشاركة الايجابية وتبادل الرأى ووجهات النظر، كما لها دور أساسى فى إزالة حدة الصراعات بين الأفراد، والعمل على تعاون الأفراد جميعا لتحقيق الخطة المنشودة0

  • أوقات الفراغ والفنون :

يعتبر وقت الفراغ من الوسائل الأساسية التى يمكن استغلالها لتحقيق أغراض التنمية الاجتماعية، فالبرامج الفنية والثقافية والموسيقى وما الى ذلك من هذه الأنشطة، يمكن استخدامها فى اكساب الأفراد اتجاهات طيبة فى القضاء على المعتقدات والقيم الخاطئة التى تعوق مسيرة المجتمع نحو التقدم والازدهار0

لذا نجد فى الصين قيام الدولة بانشاء نوع من المدارس يسمى "مدارس وقت الفراغ"، وتديرها الحكومة والهيئات العامة والاتحادات، وهى فى مستوى المدارس الابتدائية، وتوجيه العناية فيها الى القراءة والكتابة والحساب، ويدرس التلاميذ المتقدمون دراسات أعلى من مستوى المدرسة الابتدائية، أو يعطون دراسات مهنية فى مستوى المدرسة الثانوية0

كما قامت الدولة بانشاء المتاحف والمكتبات والمراكز الاجتماعية والاذاعة والتليفزيون والأشرطة السينمائية والرحلات والمسرحيات وغير ذلك من وسائل نشر المعرفة بين افراد الشعب، ورفع مستواهم الانسانى، وسلوكهم الاجتماعى، ومساعدتهم على حل مشكلاتهم المختلفة (25: 240-242)

تعقيب :

لقد استطاعت التجربة الصينية أن تقدم للعالم الثالث نموذجاً فريداً فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية، يقوم على أساس الاشتراكية والاعتماد على النفس0 ونجحت فى أن تجعل من بلد زراعى متخلف فقير جاهل قوة دولية عظمى، وقام الزعيم الصينى "ماو تسى تونج" بدور بالغ الأهمية فى تحقيق هذا كله0

وإذا كانت الفترة الزمنية من سنة 1950م وهى فترة بدء التجربة الاقتصادية الى سنة 2000م وهى نهاية القرن العشرين قد شاهدت - وسوف تشاهد- تحول ما يقرب من ربع سكان الأرض من التخلف والفقرالى دولة صناعية رئيسية فإن هذا العمل جدير بأن يكون أهم الانجازات الاقتصادية الدولية التى تمت فى النصف الثانى من القرن العشرين0

ثالثا : التعليم الإلزامى : مفهومه، سماته ، وأهدافه

فى جمهورية الصين الشعبية

الصين الشعبية مثل غيرها من المجتمعات النامية، مجتمع يعيش غالبية سكانه فى الريف ويعملون بالزراعة، فقد كان التعليم فى الصين قبل الثورة حكرا على ملاك الأرض، ولم يكن الفلاحون يستطيعون الوصول الى التعليم أو الحصول عليه، رغم أن الفلاحين هم الذين يصنعون ثروة ملاك الأرض.

ومنذ بداية القرن العشرين تعيش الصين صراعاً بين فلسفات تربوية مختلفة، يعكس الصراع بين الفلسفات والأيديولوجيات التى احتدم على ارضها، وتنافس فى السيطرة على عقول ابنائها، وهو بصفة عامة صراع بين القديم (الصينى التقليدى) والجديد (الغربى الحديث) والماركسى، وقد جرى هذا الصراع بين شعب يتكون من مئات الملايين من البشر له خصائصه المميزة وظروفه الاقتصادية والاجتماعية، وفى خضم أحداث تاريخية هامة، ووسط تطورات دولية مؤثرة (27: 278-279)0

وقد اتضح فشل كل من الفلسفتين والنظامين - التقليدى والليبرالى الغربى- أمام التحديات التى واجهها المجتمع الصينى، وأمام محاولات تحقيق الاستقلال الوطنى ومكافحة الفقر والتخلف، وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، كان لابد من البحث عن طريق جديد للمجتمع الصينى وللتعليم فيه، فتبنت الصين الاشتراكية طريقا للحياة وأسلوبا للنمو وأيديولوجية للمجتمع وفلسفة للتعليم (27: 279-280)0

وقد أدى قيام ثورة 1911م الى انبثاق مفهوم جديد للمجتمع وحضارته، وبالتالى شاركت الثورة فى إحداث اتساع كبير فى نظام التعليم وتحسينه تدريجيا وان كان لم يحدث تغير كبير فى صورة التعليم العام وذلك بسبب زيادة عدد السكان مع قلة المعلمين ومصادر التمويل، ولكن بعد تأسيس حكومة "الكومنتاج" كانت الحاجة ماسة الى تطوير الدولة، وقام منهج التعليم على الاهتمام بالمبادئ الثلاثة وهى: القومية والديمقراطية وسبل الحياة، وأدت الأهداف العامة بدورها الى تحسين الاقتصاد وبالتالى تحسين حياة الأفراد، وتؤكد استقلال الدولة وتعميق مفهوم الديمقراطية (23: 87-88)0

ويهتم الشعب الصينى فى الوقت الحالى ببناء الصين القوية الحديثة وأن من أهم القطاعات التى بذل الصينيون فيها الجهد الأكبر هو قطاع التربية التى يقع عليها العبء الأكبر فى برامج التحديث والتطوير0

إن النظام التربوى فى الصين حاليا يتركز على أيديولوجية الصين الشعبية التى هى مبنية على مبادئ "ماركس" و "لينين" و "ماو تسى تونج" فالفكرة الأساسية للمادية الجدلية هى توحيد النظرية والتطبيق، وأن كل البشر قابلون للتعليم، وعلى هذا الأساس فإن القيادة الصينية وضعت النظام التربوى الذى يهدف الى بناء المجتمع، وقد اعتمد " ماو" على أربعة عناصر أساسية لبناء التربية فى الصين الشعبية وهى : السلوك فى المجتمع الاشتراكى - العمل الانتاجى - المعرفة - الأفكار (4: 301-302)0

وعندما قامت الثورة فى أكتوبر 1949م أوضح البرنامج الأساسى للحزب الشيوعى الصينى النقاط التالية للسياسة التعليمية (23: 88-89):

مادة (41) الثقافة والتعليم فى جمهورية الصين الشعبية ديمقراطية وطنية علمية شعبية والواجب الرئيسى للحكومة هو رفع مستوى الثقافة والتعليم والعمل على النهوض بالأفكار التى تخدم الجماهير مثل التدريب على العمل الوطنى الانشائى وإزالة الاقطاع والنظم الدكتاتورية وإحلال العمل للمصلحة العامة وغرس حب الوطن والعمل والممتلكات العامة0

مادة (42) أن تجمع طريقة التدريب بين الجوانب النظرية والجوانب العملية عن طريق قيام الحكومة بتغيير مضمون التعليم القديم وإصلاح طرق التدريس تدريجيا0

وقد كانت الفترة ما بين عام 1949م الى عام 1952 هى فترة التغيير التى كانت تهدف الى الإقلال من الفروق التى توجد فى المجتمع الصينى وخصوصا بين العامل والفلاح، والفرق بين الجهد العقلى والجهد العملى، ثم فى عام 1953م نظمت الخطة الخمسية التى أكدت على التطور التربوى0

وقد ظهر التغير الجذرى فى التعليم بوضوح مع قيام الثورة الثقافية التى بدأت سنة 1966م، وكان شعارها هو القضاء على القديم وبناء الجديد، وذلك لتغيير الطبقة العليا فى المجتمع الصينى، وكانت هناك إجراءات شديدة بتغيير التربية وإعطاء مزيد من الفرص التربوية فى الريف، وذلك بإنشاء مدارس كثيرة تتناسب مع الأوضاع القائمة فى الريف، وقد فتحت الأبواب للعمال والفلاحين للحصول على دراسات تصل بهم الى التعليم العالى (4: 304)0

وبعد موت " ماو" فى عام 1976 مباشرة أعلنت سياسة جديدة فى عام 1977م لتحديث التعليم تمشيا مع دستور عام 1978م، أعطى للتربية وظيفة بحيث يمكنها من إعداد أعداد هائلة من القوى العاملة والمثقفين، بحيث يرتفع المستوى العلمى والثقافى للدولة بأكملها وذلك بتحسين نوع التربية على جميع المستويات(4: 35)0

إن المعتقد الأساسى هو أن يوظف التعليم فى البناء الوطنى، والبناء الوطنى ينبغى أن يقوم على التعليم، هذا هو التوجه الرئيسى والمبدئى فى تطوير التعليم فى الصين فى المرحلة التاريخية الجديدة، واستنادا على هذا التوجه، فإن الوظيفة العامة لجميع أنواع المدارس وعلى مختلف المستويات هى أن تعمل على إنجاح عملية التحديث ومواكبة التطورات والتنافسات العالمية ومواجهة الحاجات المستقبلية (23: 191-192)0

ولكى تواجه جمهورية الصين الشعبية متطلبات التطور الاجتماعى والاقتصادى سنة 1990م وبداية القرن الحادى والعشرين، ينبغى على المدارس أن تقوم بتدريب الكفاءات وتأهيلها على كل المستويات فى المجالات المختلفة، وذلك لتحقيق النتائج المطلوبة فى البناء الوطنى، وعليها أن تهيئ طلابها وأن تعدهم على اسس أخلاقية وفكرية وجسمية رفيعة، وأن تعودهم على طاعة النظام واحترامه وحب الوطن، وتمكنهم من تحمل مسئولياتهم وتجنيد أنفسهم للعمل من أجل رفعة الوطن ورخاء الشعب ومواكبة المعرفة، وتحقيق نتائج ايجابية فى الابداع والممارسة والتفكير الذاتى الواعى (9: 19).

تطور التعليم الإلزامى فى جمهورية الصين الشعبية :

كان أول ما نادى به المصلحون فى الصين قبل اعلان ثورة 1911م هو وضع سياسة تعليمية تستهدف أغراضا اجتماعية سامية، وأن تلغى النظام التعليمى القديم، وأن تستبدل به بعض النظم المتبعة فى اليابان، وعندما أعلنت جمهورية الصين عام 1911م كانت حاجة الشعب ماسة الى سياسة تعليمية تحقق أهداف ومبادئ النظام الجمهورى الجديد، لذا سعت الصين الى الحضارة الغربية، ولم تلجأ الصين الى الحضارة الغربية لتمحى بها شخصيتها وطابعها القومى، بل اتجه الصينيون الى ماضى الحضارة الغربية من منجزات علمية وتكنولوجية0

وقد اتعبت الصين نفسها فى البحث عن تحديد الكمال بالبحث عن نمط للدولة، قوامه الأسرة والتقاليد الأسرية التى تهدف الى خلق الإنسان الصالح بمعناه الأخلاقى، لذا ركزت الصين جهدها على الولايات المتحدة الأمريكية، ورأت فيها تحقيق آمالها حيث وصلت الصين الى اقتناع بأن الولايات المتحدة - من وجهة نظر رجال التربية- هى أفضل النماذج التعليمية، حيث كان يسير هذا النظام منذ العشرينات من القرن الحالى على نمط النظام الأمريكى فى شكله العام 6-3-3 (17: 348-349) أى ست سنوات للتعليم الابتدائى، وثلاث سنوات للدراسة المتوسطة، وثلاث سنوات للدراسة الراقية.

وقد ظل الاتجاه فى مطلع العهد الجمهورى ميالا الى فلسفة التعليم الأمريكى والأخذ بنظمه وطرقه الحديثة وآراء فلاسفته وبخاصة جون ديوى، الى أن كانت الحرب العالمية الأولى ومناصرة أمريكا لليابان، فقد تحول الرأى العام على التحمس لنظم التعليم الأمريكية بوجه خاص، وللنظم الغربية بوجه عام واتجه الى المطالبة بسياسة تعليمية قومية نابعة من ظروف البلاد ومقتضياتها المحلية (25: 232)0

وكان لاستقرار الأحوال السياسية فى الصين أثره فى نشر التعليم الاجبارى بصورة فعلية، حيث وضعت عام 1935م خطة شاملة لتنفيذه، تتضمن الاعتمادات المالية الكافية، وتعميم الفصول الدراسية، واعداد المعلمين وغير ذلك، ولم تمض سنتان على وضع هذه الخطة حتى ارتفع عدد الدارسين من حوالى تسعة ملايين دارس عام 1928م الى نحو اثنين وعشرين مليون دارس عام 1937م، ثم أصيبت بنكسة إثر الحرب العالمية الأولى، وتنص قوانين الحكومة الصينية على تكافؤ الفرص التعليمية لجميع الأطفال، وعلى تعليمهم اجباريا من سن السادسة الى الثانية عشرة، ولكن الظروف المالية للدولة اقتضت أن يدفع كل تلميذ مصروفات مدرسية قليلة0

وعندما قامت ثورة أكتوبر 1949م على يد الزعيم الروحى للصين "ماو تسى تونج" والمدعومة بالقوى الشعبية الصينية وأعلنت جمهورية الصين الشعبية، قرر قادة الثورة ان يوجهوا الى التعليم غاية جهدهم0

وقد تعلم الصينيون من دروس الماضى، من الروس وغيرهم من شعوب أوربا عقب الحرب العالمية الأولى أن التربية يمكن أن تكون عاملا فعالا فى النهوض بالأمم، ورسموا للبلاد سياسة تعليمية جديدة تهدف الى خلق وعى وطنى جديد، ورفع مستوى الحياة بين الناس، والمحافظة على  استقلال الشعب وتأكيد حقوق الإنسان، وتحقيق السلام العالمى والاخاء بين الشعوب، وعملت حكومة الثورة على تعميم التعليم الإلزامى فى كافة ارجاء الصين (25: 233)0

وقد قسمت المدرسة الابتدائية فى الصين الى قسمين: القسم الأول ومدته أربع سنوات ويعرف بالمرحلة الابتدائية المتوسطة، والقسم الثانى ومدته سنتان ويعرف بالمرحلة الابتدائية الراقية، وجعل التعليم فى المرحلة المتوسطة إجباريا (25: 236)0

وقد حدد الفيلسوف الأمريكى "جاك بلدن" Jake Belden الذى زار مناطق الحدود بعد فترة الاحتلال اليابانى وأجرى حوارا مع رئيس الدائرة التعليمية فى حكومة منطقة الحدود سنة 1947م، حدد الأسباب للإصرار الشيوعى على التعليم الواسع وهى (23: 48):

-   أن التعليم فى حد ذاته طريقة الحياة00 أنه أداة0

-   التعليم لايمكن عزله عن الحياة لذلك يجب أن يكون واقعيا0

-   اذا كان "ديوى" يقول أن التعليم هو الحياة، والمدرسة هى المجتمع فإننا نقول بأن "الحياة هى التعليم، والمجتمع هو المدرسة"0

-   أن التعليم يهدف لخدمة الفلاحين والطبقة البرجوازية الصغيرة لأنهم يمثلون 90% من السكان وليس لخدمة سادة الأرض0

وقد كتب "ماو" فى افتتاحية مجلة التربية الشعبية عام 1950م :إن استرداد وتطوير التربية الشعبية هو واحد من أهم المهام فى الوقت الحاضر، وأوضح "ماو" أن التطوير التربوى يجب أن يتم بطريقة منظمة وبمثابرة لكى يتم اصلاح المشاريع التربوية المدرسية الأساسية والمشاريع الثقافية والاجتماعية القديمة لكسب القدرات الوطنية لخدمة المجتمع، فلقد كان "ماو تسى تونج" ضد فتح أبواق النيران على النظام التربوى القديم، ومن أجل هذا كان التوسع فى المدارس المتوسطة الصناعية والزراعية، ووجد العامل والفلاح والجنود فرصا للالتحاق بأقسام أعلى لمزيد من التعليم، كما زاد عدد الطلاب الذين التحقوا بالمدارس المختلفة العالية والمتوسطة والابتدائية (23: 166)0

وفى شهر مارس من عام 1951م أكد "لوشيوانسيانج" فى توجيه لوزارة التربية والتعليم بأنه من الضرورى التركيز على مسئولية المدرسة الرئيسية من خلال التدريس لخدمة التعليم مع زيادة المضامين السياسية للمقررات لكى تعطى معرفة سياسية واسعة0

وفى عام 952م جعلت الحكومة الصينية مدة التعليم الابتدائى خمس سنوات وقد كانت فى الواقع اربع سنوات فى المناطق الريفية، ولجأت الحكومة الى ضغط المناهج ورفعت سن القبول بالمرحلة الابتدائية الى سبع سنوات، وبذلك ضمنت تعميم هذا التعليم فى جميع أنحاء الصين، وتقرر أن تشرف السلطات المحلية على التعليم والمناهج والكتب (25: 236)0

وفى شهر مايو عام 1953م فى اجتماع اللجنة المركزية أوضح "ماو" أن الخط التربوى يتطلب إصلاح المضامين التربوية ونظريات التدريس والتركيز على التربية فى المدرسة الابتدائية من خلال التربية العملية وإنشاء نظام الخمس سنوات بالمدرسة الابتدائية، كما أشار الزعيم “ماو” فى الاجتماع العالمى الثالث للشباب المنعقد فى يونيه 1953م الى المطالب الثلاثة : (الصحة الجيدة، التفوق الدراسى، الأعمال الدقيقة) وأنها عماد خلق جيل جديد من الشباب لقيادة الصين الجديدة فى المستقبل(23: 168)0

وقد واصل الرئيس "ماو" نقده لسير التعليم فى الصين وضرورة أن يكون مرتبطا بالعمل المنتج مع تفجير الثورة فى التعليم، واستمر نضال "ماو" ولم ينفذ كثير مما قاله حتى قيام الثورة الكبرى التى بدأت عام 1966م0

وتقوم الثورة الثقافية فى التعليم حول النظام التعليمى والتوجيه والأساليب التى تلغى عزل المدارس عن السياسيين وعن الجماهير وعن العمل البدنى، فجوهر هذه الثورة هو نظام ربط التعليم بالعمل الانتاجى (33: 157)0

أما الآن فترتبط كل المدارس فى المدينة والريف بين الدراسة فى الحجرة الدراسية والعمل المنتج، ويتم هذا ابتداء من السنوات الخمس الدراسية بالمدرسة الابتدائية، وخلال السنوات الثلاث بالمدرس المتوسطة للصغار والسنتين بالمدرسة المتوسطة للكبار، وأضحى التعليم بالمدارس الابتدائية معمما فى الأرياف كما هو الحال بالنسبة للمدرسة المتوسطة للصغار فى المدن، وأصبح حوالى 95% من الأطفال البالغين سن مرحلة التعليم الابتدائى مقيدين بالمدارس (33: 157)0

لقد كان امتداد التعليم ليشمل جميع السكان من إنجازات الخمس والعشرين سنة التى أعقبت مجئ الصين الجديدة، فقد ازداد عدد تلاميذ المدارس الابتدائية الى حد كبير بالمقارنة الى الأرقام التى تتناول الفترة التى سبقت التحرير، اذ ينتظم الآن بالمدارس حوالى 90% من الأطفال الذين فى سن الدراسة، وحتى عام 1973م بلغ عدد طلبة الجامعات المدربين 12.3 مثلا لمجموع المدربين فى الصين القديمة فى عشرين عاما، وقد كان أكثر من 80% من السكان فى الصين القديمة من الأميين، فقضت الصين الجديدة على هذه الحالة المتخلفة، التى كانت ترجع الى الاستغلال والاضطهاد الاقطاعى والامبريالى (34: 53)0

وتستخدم الصين الجديدة فى تحركها نحو الارتقاء بالتعليم بأسلوب "السير على كلتا القدمين" فالى جانب ما تقيمه الدولة من مؤسسات تعليمية فانها تساعد أيضا جموع الشعب وفرق الانتاج فى إدارة المدارس الثانوية والابتدائية حيث يعدل أسلوب التعليم ليلائم الظروف الخاصة للمناطق الزراعية والرعوية وكذلك تيسر قبول التلاميذ (34: 54)0

وقد كانت هناك مجهودات جادة لتعميم التعليم الابتدائى، فبمجئ عام 1978م كان هناك حوالى 95% تقريبا من تلاميذ المرحلة العمرية (6-7) سنوات بالمدرسة الابتدائية كما كان هناك اهتمام على المستوى القومى فى الصين لتأليف كتب حديثة بواسطة وزارة التعليم مصممة لغرض رفع المستوى العلمى، كما بدأ تعليم اللغة الأجنبية اعتبارا من العام الدراس 78/1979م من السنة الثالثة أو الرابعة بالمرحلة الابتدائية، وخاصة اللغة الانجليزية واللغة اليابانية (17: 357)0

وفى شهر أغسطس من عام 1981م قامت وزارة التربية والتعليم- قبل الغائها- بإصدار بيان تحت عنوان "وجهات نظر فى ترتيب وتنظيم الفصول الدراسية فى المدارس الابتدائية نظام الست سنوات” وكان هذا البيان بمثابة وثيقة مرجعية للأقاليم والمقاطعات الإدارية فى وضع مشروعات وبرامج تربوية لمدة ست سنوات، وقد استطاع هذا البيان أن يوجه الأنظار الى الأخذ بحركة اصلاح وتطوير التعليم الابتدائى من خلال (9: 35-36):

-   التنفيذ والتطبيق الكامل للسياسات المعتمدة فى تطوير التعليم الوطنى خلقيا وفكريا وجسميا للأطفال والكبار على حد سواء، وبأسلوب أكثر حركة وفاعلية0

-   تقوية وتطوير وتحسين اساليب تعلم المعلومات الأساسية والتدريب وكسب المهارات والقيام بأوجه النشاط المختلفة من أجل تعزيز قدرات التلاميذ الفكرية0

-   الأخذ بمبدأ المرونة عند اعداد البرامج التربوية من أجل التقليل من الأعباء والجهود التى ينوء بها التلميذ بسبب الواجبات المنزلية وتضييق الهوة بين المنهج المعد لمرحلة رياض الأطفال وذلك المعد للمرحلة الابتدائية0

-   الأخذ فى الاعتبار الأوضاع المختلفة بين المناطق الريفية والحضرية، وبصورة خاصة خصائص وطبيعة المدارس الابتدائية ووضع برنامجين تدريسيين مختلفين لكل المدارس الريفية والمدارس الحضرية، مع توفير مستلزمات التدريس المتماثلة لكليهما0

ومع التقدم فى تعميم التعليم الابتدائى فى جميع ارجاء الصين، بلغت نسبة التسجيل والقبول للتلاميذ فى سن المدرسة سنة 1985م حوالى 95.9% بزيادة قدرها 1.9% عن عام 1983م، وقد زادت نسبة عدد التلاميذ المسجلين فى المدارس الابتدائية فى 21 من الأقاليم والمناطق الريفية فبلغت 95% أو أكثر، ومعدل دخول المدارس الابتدائية كان بنسبة 96.7%، بزيادة 0.6% عن النسبة السابقة، وكانت نسبة الخريجين من المدارس الابتدائية 94.3% وفى نهاية أكتوبر 1985م كان قد تم تعميم التعليم الابتدائى فى 731 إقليما (ثلث عدد الأقاليم) (23: 202)0

وبمجئ عام 1986م وفى أول شهر أبريل، أقر الاجتماع الرابع للمؤتمر الوطنى السادس قانون التعليم الإلزمامى فى جمهورية الصين الشعبية، حيث تم تشريع هذا القانون فى ضوء الدستور الصينى والأوضاع السائدة فى البلاد، وقد بدأ أحكامه بأن يكون التعليم الإلزامى لمدة تسع سنوات (9:20).

وتسعى الصين حاليا لتحقيق خطة التعليم الإلزامى لتسع سنوات أى حتى مستوى المدرسة المتوسطة الدنيا فى كل أنحاء الصين مدنية وريفية، وستتم هذه الخطوة بالتدريج حتى يتم القضاء على الأمية0

 

مفهوم التعليم الإلزامى وسماته وأهدافه :

أ - مفهوم التعليم الإلزامى فى الصين:

قامت السياسة التعليمية الحديثة فى الصين الشعبية على أساس المبادئ التى تضمنتها الحركة الوطنية الجديدة والتى صدرت ضمن البرنامج الأساسى للحزب الشيوعى فى عام 1949م، واستند نظام التعليم الإلزامى الى الأسس التشريعية التالية (41: 319-322):

-   نصت المادة (159) على إتاحة الفرص التعليمية المتكافئة للجميع0

-   نصت المادة (160) على أن يكون لكل طفل من سن 6-12 حق الحصول على التعليم المجانى فى المرحلة الابتدائية مع تزويد العائلات الفقيرة بالكتب0

-   تنص المادة (161) على منح بعثات تعليمية من أجل التعليم الريفى والحكومات المحلية0

-   تنص مادة (162، 163) على إدراج التعليم العام والخاص والأسس الثقافية تحت الملاحظة للبلد مع إحداث التوازن فى التعليم بين الأقاليم المختلفة0

-   تنص المادة (164) على تناسب الميزانية بين الميزانية القومية العامة والريفية الخاصة بالأقاليم0

وقد بلور الاجتماع الرابع للمؤتمر الوطنى الشعبى السادس فى أبريل 1986 مفهوم التعليم الإلزامى الصينى بوضوح عندما أقر بأنه التعليم الذى يجب أن يلتحق به الأطفال فى سن السادسة من العمر وبالحدود التى يرسمها قانون التعليم الالزامى، بصرف النظر عن الجنس والجنسية والنوع، وعندما تنشأ أوضاع قد لاتساعد على تطبيق هذا القانون فى أى من الأقاليم أو البلديات أو المناطق المجاورة، فيمكن اعتبار سن السابعة هو سن دخول المدرسة بدلا من السادسة، وعلى الآباء وأولياء الأمور أن يبادروا فى تسجيل أبنائهم أو من فى رعايتهم من الأطفال فى هذا السن فى المدارس، ويستثنى من ذلك الأطفال الذين يعانون من بعض الأمراض التى تعوقهم من الالتحاق بالمدرسة والأطفال الذين سمحت لهم السلطات المحلية وأعفتهم من الذهاب للمدارس لظروفهم الخاصة أما الآباء والمربون الذين يمتنعون عن تطبيق هذا النظام فانهم يتعرضون للعقوبات المناسبة التى من شأنها أن تجبرهم على الامتثال وارسال ابنائهم الى المدارس، وتفرض السلطات المحلية العقوبات المنصوص عليها على الوحدات والأشخاص الذين يعمدون الى تشغيل الأطفال فى سن المدرسة وذلك إما بسحب رخص العمل منهم أو باغلاق محلاتهم وورشهم (9: 20-21)0

ويشمل التعليم الالزامى مرحلتين هما: المرحلة الابتدائية والمرحلة المتوسطة الدنيا، وتعميم التعليم المتوسط الأدنى يعتمد على إتاحة فرصة التعليم الابتدائى للجميع كما أن العمل فى التعليم الالزامى يستدعى قيام السلطة المحلية بوضع البرامج الملائمة للأطفال بما يتناسب وحاجاتهم ويتلاءم مع أعمارهم، وأن الدولة من أجل تطبيق التعليم الالزامى، تهتم غاية الاهتمام بإنشاء المدارس والمعاهد المناسبة وتشكيل الهيئات الادارية والاجتماعية تحت اشراف الادارة الموحدة للسلطة المحلية، اذ أن قانون التعليم الالزامى يقضى بأن يكون التعليم الالزامى مجانا وأن يحصل الطلاب المنحدرون من طبقات فقيرة على المنح التعليمية والمساعدات من قبل السلطات المحلية، وقد بدأ العمل بقانون التعليم الإلزامى فى يوليو 1986م (9: 21).

وقد أصبح ربط التعليم خاصة المرحلة الالزامية - بالأسرة والمجتمع المبدأ الأساسى فى تعليم الأطفال فى الصين، حيث بلغ فى عام 1985م عدد المراكز الثقافية 2965 مركزا ثقافيا و 2344 مكتبة عامة و 771 متحفا و 706 بيتا للشباب، وتقوم هذه المؤسسات فى الواقع بتنظيم وتقديم مختلف أنواع النشاط كل سنة، وبصورة خاصة خلال فترة الصيف وعطلات الشتاء للتلاميذ (23: 203)0

فى ضوء ما سبق يتضح أن مفهوم التعليم الالزامى فى الصين "أنه مرحلة تعليمية مدتها تسع سنوات تتضمن المرحلة الابتدائية والمرحلة المتوسطة الدنيا، تبدأ بالتحاق الطفل بها فى سن السادسة من عمره ويمكن أن يلتحق فى السابعة من العمر عندما تنشأ أوضاع قد لايتمكن معها الطفل من الالتحاق فى سن السادسة، والتعليم الإلزامى مجانى وتساعد السلطات المحلية فى تمويله0

ويوضع التعليم فى الصين بداية من المرحلة الالزامية فى خدمة السياسة البروليتارية مع ربط التعليم بالعمل المنتج واكساب التلاميذ تدريبا أخلاقيا وعقليا وجسميا0

وقبل الثورة الصينية كانت فكرة الدراسة من المدرسة الابتدائية حتى الجامعة هى دراسة الكتب المدرسية فحسب، ويبقى الطلاب فى جهل تام بحياة العمال والفلاحين، وعند مغادرتهم المدرسة يكونون غير قادرين على التطبيق العملى لما تعلموه، بالإضافة الى ذلك يكونون من الناحية العاطفية غرباء عن جماهير العمال والفلاحين، وهذا الحال لايتجاوب مع احتياجات الثورة وبناء الاشتراكية (31: 54).

أما الآن فقد حدث تهذيب للمناهج وتبسيط للموضوعات الدراسية وأصبح التعليم الأيديولوجى والدراسة الكتبية ذات صلة تأثيرية وثيقة على الانتاج وعلى الجانب النظرى المرتبط بالجانب العملى، ويبدا هذا من بداية التحاق التلميذ بمرحلة التعليم الالزامى الذى يشتمل على مرحلتين هما: المرحلة الابتدائية والمرحلة المتوسطة الدنيا0

ب- سمات التعليم الالزامى فى الصين:

إن أهم ما تتميز به الحياة المدرسية فى الصين الروح الديمقراطية فى حياة الجماعة فإلادارة المدرسية تقوم على أساس مجالس يمثل فيها الطلبة والموظفون مع هيئة التدريس، ولهم حقوقهم وواجباتهم، والغرض الأساسى من هذه الحياة الديمقراطية هو محو مساوئ الفردية والطغيان الذى كان يشمل الحياة الصينية فى العهد الماضى (25: 245)0

وبعد اقرار قانون التعليم الالزامى فى الصين سنة 1986م أصبح يشمل مرحلتين هما: المرحلة الابتدائية والمرحلة المتوسطة الدنيا، وفيما يخص بداية سن الالزام، أعطى القانون الحرية للأقاليم أو البلديات أو المناطق فى إعتبار سن السابعة هو سن دخول المدرسة بدلا من السادسة إذا كان هناك أوضاع قد لاتساعد على تطبيق هذا القانون0

ومن السمات المميزة للتعليم الالزامى الصينى ما يلى:

-   تعمل كل المدارس فى المدينة والريف على الربط بين الحجرة الدراسية والعمل المنتج وأضحى التعليم مصمما فى الأرياف كما هو الحال بالنسبة للمدارس الابتدائية فى المدن0

-   تطبيق آراء "ماو تسى تونج" التربوية بجعل التعليم فى خدمة المجتمع، وذلك عن طريق الجمع بين التعليم والعمل الانتاجى، بحيث يساعد المتعلمين على النمو خلقيا وعقليا وبدنيا، وأن يصبحوا عمالا ذوى وعى وثقافة بجانب تقصير مدة الدراسة والحرص على أن يتعلم التلاميذ أشياء أخرى بجانب المعلومات النظرية كالعمل الزراعى والصناعى (27: 283)0

-   تعتبر الحياة فى المدرسة الابتدائية خبرة سعيدة لدى الطفل فى الصين فالمنهج خفيف والتعليم والواجبات معقولة، والمدرسون يحترمون الأطفال ويستطيع الأطفال أن يدلوا برأيهم فى الأشياء التى تخصهم بل وتسود روح التعاون والعمل الجماعى وروح الانتماء والود والصداقة فى كل جانب من جوانب الحياة المدرسية0

-   يشارك أطفال المدرسة الابتدائية فى العمل، فينظفون الحدائق، والطرق والأحواش الحكومية والأحياء التى يعيشون فيها، ومدارسهم الخاصة بهم، كما يذهب الأطفال الى المصانع أسبوعيا بالتبادل مرتين أو ثلاث مرات ظهرا ليقوموا بعملهم التطوعى، فالبعض يذهب الى محلات اللعب ليساعد فى تجميع أجود اللعب أو يحشون العرائس أو يرصونها فى صناديق، كما يذهب البعض الى مواقف الأتوبيس أو الترام فى الجو الحار ليقدموا مياه الشرب لمفتشى وسائقى الأتوبيسات، وغالبا مايكتب المتفشون والسائقون خطابات شكر للأطفال (23: 116)

-   هناك قواعد وبنود يلتزم بها التلاميذ ويتقيدون بها أعلنت فى عام 1979م من قبل وزارة التربية والتعليم وهى (حب الوطن والشعب- الالتزام بموعد الدروس- الإصغاء للمعلم - المواظبة على التربية الرياضية - النظافة الشخصية والعامة - حب العمل - الانضابط والنظام - احترام المعلم ومن يكبر سنا- الاعتناء بالجماعة والممتلكات العامة - الصدق وتصحيح الأخطاء)0

-   التخفيض من تكلفة الدراسة (بحسب الفرد) وذلك ببيع منتجات فلاحية أو حرفية تكون ثمرة عمل التلاميذ، مع العمل على تحسين برامج التعليم العام بادخال مسائل لها مساس أكبر بالواقع المحلى، وأنشطة من شأنها أن تسهل تعلم الأطفال وأن تريحهم من العمل الذهنى (28: 179).

-   تقليص الدور الأكاديمى فى قيادة المدارس وتغيير القيادة التعليمية فيها وتشكيل لجان من بعض أعضاء المجتمع المعنيين والمعلمين والطلاب وذلك بهدف تحقيق مبدأ المشاركة العامة فى إدارة المؤسسات التعليمية0

إن أهم ما تعتمد عليه الصين الشعبية اليوم لرفع مستوى المعيشة بين السكان هو إيجاد العمل الصالح لكل مواطن قادر على العمل، والاكثار من المدارس بكافة أنواعها وارتباط هذه المدارس بعملية التصنيع والتنمية بما يكفل استيعاب عدد كبير من السكان فيها، وجميع الدلائل توحى أن الصين تخطو فى هذا الميدان بخطوات حثيثة موفقة تبشر بمستقبل زاهر لهذا الشعب0

وقد كان من آثار هذا التنظيم أن نجح الصينيون فيما أرادوه من تحطيم كثير من الحواجز التى كانت قائمة بين التربية وميادين الزراعة والصناعة، وبالاضافة الى مايستفيده الأطفال من خبرات عن طريق العمل فى ميادين الحياة الحقيقية نجدهم ينشئون نشأة فيها استقلال ويعرفون كيف يتقاضون مع المؤسسات  المختلفة، وكيف يديرون شئونهم (36: 170-175)0

وما يجب التنويه اليه فى هذا السياق هو التأكيد مرة أخرى أنه كلما ارتبط التعليم بالنواحى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وبكل ظروف المجتمع الخاصة وبحاجاته النوعية يصبح التعليم ذو طابع قومى قوى0

 

جـ- أهداف التعليم الالزامى فى الصين:

إن الدارس للنظام التعليمى فى الصين يتضح له أن القواعد العرفية والتقاليد التى وضعها "ماو تسى تونج" والمؤيدون أو المعارضون له، قد لعبت دورا قياديا فى وضع السياسات التعليمية، كما أن التحولات خلال الثلاثين سنة الماضية ساعدت على وضع هذه السياسات فى هذا المنظور الفكرى، وبالنظر الى المبادئ العامة التى وضعها “ماو” والمبادئ التعليمية، نجدها جامدة وغير مرنة ولايمكن تعديلها أو تحقيقها وفق الأوضاع الصينية القائمة، وعلى الرغم من ذلك يمكن تحديد مجموعة من المبادئ والأهداف العامة والتى مازالت قائمة وساكنة، ولم تتغير منذ فترة، “لأنها تقوم على التجريد”، ولهذا يمكن أن تتفق وأى سياسة تعليمية بديلة أو مختارة (33: 156)0

كما أن المفاهيم الأساسية للمادية الجدلية، تتمثل فى التكامل أو الوحدة بين النظرية والتطبيق، وفكرة المساواة بين أفراد المجتمع فى الحصول على البناء العقلى وفق ما يحدده القادة الصينيون فى خططهم لتطوير النظام التعليمى، والذى سوف يساهم بدوره فى هذا البناء القومى(33: 157-158)

وقد بنيت السياسة التعليمية الحديثة فى الصين الشعبية على أساس المبادئ التى تضمنتها الحركة الوطنية الجديدة فى عام 1949م، وأنه باستعراض السياسة التعليمية للصين الشعبية يتضح أنها لاتفصل بين التربية والسياسة وأنها تستمد أهداف التربية من طبيعة الديمقراطية الجديدة، التى تمثل سياسة الدولة، وتتخذ الصين الآن شعارا لها هو (تعلم، تعلم، ثم تعلم)0 ومعنى تعلم هنا هو تعرف على نظام الحكم ومنهجه، والوقوف على مساوئ الاقطاع ومحاربته ومعاونة الحكومة على تحقيق أهدافها الأساسية فى الوقت الحاضر والاشتراك الفعلى فى الحركات الاجتماعية والثقافية والعلمية التى تعود بالنفع على جميع المواطنين (23: 93)0

وقد نص المؤتمر الوطنى الأول عن العمل  التربوى الذى انعقد فى ديسمبر 1949م على أن التعليم فى الصين الجديدة ينبغى أن يبنى على أساس تجربة نظام التعليم الجديد المعمول به فى المناطق المحررة من قديم، وتجسد مدارس هذا النوع أفكار الرئيس “ماو” عن التعليم، بما فى ذلك خدمة السياسات البرولتيارية وإبراز أهمية تغيير أيديولوجيات الطلبة، وربط التعليم بالعمل الانتاجى والنظرية بالتجربة (33: 156)0

وفى المقام الأول لايهدف النظام الجديد الى تقديم تدريب فنى الى التلاميذ، ولكنه اصلاح اجتماعى هام، وهو خطوة نحو تقليل حجم الاختلاف بين المدينة والقرية وبين العامل والفلاح وبين العمل الفكرى والعمل اليدوى، يستهدف تدريب الجيل الناشئ فى الصين، وهو مبدأ هام للاشتراكية، ليصبح عن جدارة خلفية للثورة التى بدأها الجيل القديم، فمعظم التلاميذ بالمدارس الابتدائية والثانوية يوجدون فى الأرياف، ومن السهل اشراكهم فى أعمال الحقل ووضع مواد التدريس من واقع الحياة المحيطة بهم(33: 157-158)0

وقد كان أول تطبيق عملى للجمع بين التربية والسياسة فى الصين هو العمل على محو المثل السياسية القديمة المبنية على النظام الاقطاعى، واحلال النظام الديمقراطى الذى يتمثل فى خدمة الشعب محل تلك المثل القديمة، واقتضت هذه الفلسفة التربوية السياسية تحميل المدرسة الصينية مسئوليتين أساسيتين: الأولى التربية السياسية، والثانية التربية من أجل بناء المجتمع الصينى، فالتربية السياسية تهدف الى غرس أنواع الحب الخمسة وهى: (حب الوطن - حب المواطنين - حب العمل - حب العلم - وحب الممتلكات العامة) (25: 244)0

لقد حدد "ماو وتسى تونج" فى العامين 57، 1958م الأهداف التى يجب السعى لتحقيقها بواسطة الثورة التعليمية، حيث أكد على أن التعليم يجب أن يكون لخدمة السياسات البرولتيارية، وأن يكون مقترنا بالعمل الانتاجى، وفى قدرة كل فرد أن ينمو أخلاقيا وعقليا وجسميا، وأن يصبح عاملا ماهرا وعلى وعى بثقافة مجتمعه، لذا كانت أولويات التطور التعليمى تهدف الى (17: 351):

  • 1- المساواة أو تكافؤ الفرص التعليمية0
  • 2- مد الخدمة التعليمية لجميع العاملين فى الدولة وفى مختلف مجالات العمل وضمهم للمدارس بمستوياتها المختلفة0
  • 3- تقديم تعليم فنى ومهنى من خلال تقديم السياسات التعليمية الثورية للأذكياء والنابغين0

وبفضل سياسة “ماو تسى تونج” الواقعية، الوطنية، الشاملة، المتعددة الجوانب، صارت الصين فى فترة زمنية قياسية من الدول الكبرى عام 1964م حيث أعلنت الصين فى 16 أكتوبر عام 1964م عن مقدرتها العلمية،  حيث فجرت قنبلة ذرية صينية0

ولم يكن ذلك ممكنا دون تغيير جذرى فى صلب التعليم الصينى ذاته، فى فلسفته وأهدافه، وطرق أساليبه، ونظمه، وقد لخص وزير التربية والتعليم الصينى هذا التغيير الجذرى فيما يلى (16: 398-399):

-   التثقيف الأيديولوجى، ورفع الوعى الاشتراكى، بهدف بث الوعى للعلاقة بين الوطنية والأمية، وغرس وجهة النظر العلمية الى العالم0

-   تحقيق الوحدة بين صفوف المثقفين0

-   وفى ميدان العلوم والفنون، تطبق سياسة مؤداها: فلتتفتح مائة زهرة ولتتبارى مائة مدرسة0

-   اتخاذ الإجراءات لاتاحة الفرص أمام أبناء العمال والفلاحين للالتحاق بالمدارس0

-   التنوع فى إدارة المدارس، نظرا لسعة ربوع الدولة وكثرة سكانها0

-   ربط التعليم بالعمل الانتاجى0

       وقد كان من أهم الأسس التشريعية التى استند نظام التعليم الصينى اليها ما يلى(41: 304):

-   أن التعليم والثقافة هدفها التطور، وتنمية الروح والأخلاق الوطنية بين المواطنين وزيادة المعلومات العلمية ومساعدة الفرد على كسب العيش0

-   إتاحة الفرص التعليمية المتكافئة لجميع أفراد الشعب0

-   أن يكون لكل طفل ما بين 6 الى 12 سنة حق الحصول على التعليم المجانى فى المرحلة الابتدائية، مع تزويد العائلات الفقيرة بالكتب0

-   الاهتمام بالبعثات التعليمية من أجل التعليم الريفى والحكومات المحلية0

ويهدف التعليم فى مرحلته الالزامية فى الصين الى تطبيق شعار رواد الشباب “خمسة أشياء حسنة” وهى: حسنا فى دراسته، حسنا فى عمله، حسنا فى جسمه، حسنا فى تفكيره، حسنا فى مجهوده0 ويحاول الأطفال إتقان هذه المهارات حتى يثبتوا أنهم أكثر فعالية من مدرسيهم، ولهذا السبب ينظر الى المستوى المتوسط فى المدارس الابتدائية فى الصين على أنه مرتفع0

وبعد مرور عام 1976م وفى أعقاب تصفية عصابة الأربعة تحت القيادة الصينية الجديدة لهيوجومنينج، فإن السياسات الجديدة ظهرت فى خريف عام 1977م لتحقيق الأهداف التعليمية الأربعة التى حددها رنج اكسبابونج وهى (17: 354):

  • 1- إعداد وتدريب العاملين والتكنولوجيين ورجال الإدارة والاقتصاد0
  • 2- رفع المستوى الفنى والمهنى والعلمى لجميع العمال والفلاحين وبقية العاملين0
  • 3- دفع التنظيمات الاقتصادية الى الأمام0
  • 4- دفع عمليات التنمية للعلوم والتعليم والثقافة الى الأمام0

وبناء على دستور 1978م بدأ التحسن الواضح فى كيفية التعليم على جميع مستوياته لتخريج الأفراد المؤهلين نظريا وعمليا، كما أن مصطلح السير على قدمين بدأ يعاد تفسيره بطريقة مرنة لتحقيق الأهداف المرجوة من التعليم وخاصة التعليم الالزامى فى محاولة التلميذ لإتقان المهارات حتى يثبت أنه أكثر فعالية، وعلى درجة كبيرة من الوعى الاجتماعى الاشتراكى والثقافى0

ومن الأهداف الهامة التىيرتكز عليها التعليم الالزامىفى الصين ما يلى(23: 202):

  • 1- تطوير وتحسين التلميذ خلقيا وفكريا وجسميا بأسلوب أكثر حركة وفاعلية مع تعزيز الوفاء للأيديولوجية الاشتراكية0
  • 2- تقوية وتطوير أساليب تعلم المعلومات الأساسية والتدريب وكسب المهارات0
  • 3- الأخذ بالاعتبار الأوضاع المختلفة بين المناطق الريفية والحضرية وبصورة خاصة خصائص وطبيعة المدارس الريفية الابتدائية0
  • 4- التأثير على مواقف التلاميذ بقصد تعويدهم على الحرف اليدوية والحياة الريفية وحملهم على تقبلها وتبنيها لتنشئة تلاميذ يحرصون علىخدمة الشعب بكل قلوبهم بما يتكون لديهم من معرفة ومهارة قادرة على تحقيق التقدم، وأن عملهم سيكون لصالح الشعب الصينى وشعوب العالم0
  • 5- تعزيز بعض الطباع الحميدة التى من شأنها أن تنمى الاستقرار الاجتماعى وانتاجية العمال والرخاء الفردى والاستقامة الأخلاقية والمثابرة والدقة والشوق الى الابداع والاعتماد على النفس وروح التعاون0
  • 6- التخفيض من تكلفة الدراسة (بحسب الفرد) وذلك ببيع منتجات فلاحية أو حرفية تكون ثمرة عمل التلاميذ (28: 178)0

رابعا : التعليم الالزامى ودوره فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية فى جمهورية الصين الشعبية

يعد التعليم من أهم السياسات القومية الكبرى فى حياة الشعوب المتقدمة والنامية، إذ برزت أهميته الحيوية بالنسبة لأمن الشعوب وازدهارها واستقرارها، كما تأكدت أهميته فى التنمية بكل مجالاتها، كما أن التطور الذى طرأ على التعليم أخيرا قد أظهر الحاجة الى ضرورة ترشيد الأموال التى تنفق عليه من ناحية وإبراز العائد الاقتصادى له من ناحية أخرى، كما تتركز جهود العلماء على توضيح العلاقة المتشابكة بين التعليم والاقتصاد ودور التعليم فى التنمية0

ويتوقف تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الى حد كبير على مدى ما وصل اليه التعليم فى المجتمع، ويمكن توضيح العلاقة بين التعليم والتنمية من عدة نواح:

فالتنمية لايمكن أن تتم فى أية دولة مالم تكون طبقة من الشباب تعى معنى التنمية وأهميتها، وهذه الطبقة من الشباب تنتج من وجود نوع من التعليم يخلق الجو الصالح لفهم طبيعة المجتمع0

ومن ناحية أخرى فان عملية التنمية فى حد ذاتها تحتاج الى قوى عاملة مدربة على أسس علمية، تتيح لها القدرة على استغلال الخامات المحلية، وتشغيل كافة قطاعات الانتاج0

وتدرك معظم الدول النامية أنها فى حاجة ماسة لمراجعة نظمها التعليمية وأساليب التعلم فيها، وذلك من المنطلق أن التعليم عامل أساسى لتحقيق خطط وبرامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويعتبر اسهام التعليم فى التنمية الشاملة أمرا بالغ الأهمية والحيوية، وأن هذا الاسهام لن يكون فعليا ومثمرا مالم تتطور النظم التعليمية وتتكيف مع مقتضيات التنمية وغايات الأفراد والمجتمع(3: 3)0

التعليم الالزامى والتنمية الاقتصادية :

مما لاشك فيه أن حسن استغلال الموارد الطبيعية المتاحة، وترشيد استثمار رؤوس الأموال بما يؤدى الى نمو المجتمع، يتطلب وجود فئة من القوى العاملة ذات مهارات خاصة، ولديها القدرة على الالمام بالعلوم الحديثة والتطورات التكنولوجية، والاستعداد لتحمل أعباء المخاطرة، وقبول المجازفة عن طريق الأخذ بالأساليب المتقدمة فى الانتاج والاستثمار معا، هذا بالاضافة الى تميزها بالاستعداد للنمو والتطوير الذاتى بالتدريب على الأساليب الحديثة للانتاج ومتابعة تطورها، والسعى الدائب لمعرفة كل شئ عنها (18: 20)0

هذه الفئة أصبحت بتعليمها تحتل مرتبة تفوق فى الأهمية مرتبة الموارد الطبيعية ورؤوس الأموال التى تعتبر عوامل حاسمة فى التنمية الاقتصادية، وذلك لأن مزيداً من التعليم سيؤدى الى زيادة الدخل القومى، وارتفاع متوسط دخل الفرد وتقارب دخول الأفراد وتحسين الانتاج، والحد من الاستهلاك، وتنمية عادة الادخار، وزيادة الاستثمار0

وبمراجعة ما سبق الحديث عنه عن التنمية الاقتصادية ومفهوم التعليم الالزامى وسماته وأهدافه فى جمهورية الصين الشعبية، يتضح لنا أنه ليس هناك جدل حول أثر التعليم وضرورته لتحقيق النمو والتنمية، فالتغيرات الوظيفية والبنائية اللازمة لتنمية المجتمع تحتاج بصفة أساسية لزيادة قدرة افراد المجتمع على استغلال الطاقات المتاحة للمجتمع الى اقصى حد ممكن، وبدون شك يلعب التعليم الالزامى فى جمهورية الصين الشعبية دورا حيويا فى زيادة قدرات أفراد المجتمع ومساعدتهم على احداث التنمية وتحقيق أهداف المجتمع0

ولقد أصبح من المعترف به أن من اكبر معوقات التنمية الشاملة فى الدول النامية، يرجع الى النقص الحاد فى القوى البشرية المدربة والمؤهلة، وأن التعليم هو المفتاح لكل تنمية وتطور على اعتبار أن التعليم لم يعد خدمة عامة فحسب، بل هو مرفق استثمارى هام0 إن تصور بناء دولة حديثة، والحديث عن تطور البحث العلمى والارتفاع بمستوى الانتاجية فى بلد لايرتبط نظامها التعليمى بمشكلاتها وواقعها وبرامج تنميتها يعد ضربا من الخيال(3: 47)0

ويستعرض الباحث دور التعليم الإلزامى فى جمهورية الصين الشعبية فى التنمية الاقتصادية فى النقاط التالية:

  • تسير النهضة الصناعية اليوم فى جمهورية الصين الشعبية جنبا الى جنب مع النهضة الزراعية تطبيقا لمقولة الزعيم الصينى "ماو تسى تونج" ليكن معلوما أنه بدون تصنيع الصين لن نضمن دفاعا وطنيا قويا وارتفاعا فى مستوى حياة الناس، ولن نحقق للشعب السعادة والقوة، والأمة التى تعتمد على الزراعة وحدها لايمكن أن تصبح فى هذا العصر أمة غنية قوية عزيزة الجانب، وقد خطت الصناعة الحديثة فى الصين اليوم خطوات واسعة وذلك بفضل الربط بين التعليم ومجالات الحياة العملية والتفاعل مع البيئة المحلية والمدارس القائمة بها (10: 63)0
  • وفى جمهورية الصين الشعبية يتاح للمعلمين والتلاميذ العمل فى المصانع والمزارع المتوفرة فى البيئات المحلية، وقد أظهرت نتائج دراسة ميدانية أن تلاميذ المدرسة المتوسطة يقضون أسبوعين فى العمل الانتاجى كل عام دراسى غير الأجازات، حيث يقومون بالعمل والدراسة التكنولوجية التى تهدف الى تزويدهم بالاتجاهات الصحيحة نحو العمل الجسمانى، مع اكسابهم المهارات الأساسية الأولية وبعض المهارات فى مجالات الصناعة والزراعة والخدمات، إضافة الى المواد الدراسية التقليدية المعروفة (21: 118)0
  • لقد أصبح التعليم الالزامى فى الصين- فى الوقت الحالى- غير مقصور على الحجرات الدراسية، ففى المدن والريف على السواء أصبح للمدارس الابتدائية والمتوسطة ارتباطات مقننة بالمصانع ووحدات الجيش والمزارع، داخل النطاق البيئى، وحيثما تتحقق الظروف المطلوبة أنشئت المصانع الصغيرة والمزارع فى المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية ويدعى العمال والفلاحون والجنود ليقوموا بالتعليم بعض الوقت (34: 55)0
  • لذا يعمل النظام التعليمى الحالى على وجه العموم على أن يذهب المعلمون والتلاميذ سواء بسواء- كجزء من المنهج الدراسى- للمشاركة فى عمل إنتاجى فى مصنع أو مزرعة أو كميون للشعب، وهم يعقدون المناقشات، ويحللون المواقف، أما فى المكان نفسه أو عند عودتهم الى المدرسة، ليضعوا المعرفة العملية التى اكتسبوها فى مضمونها النظرى، أما بالنسبة لطرق التدريس فقد استبدل "بالحشو" طرق تثير النشاط العقلى فى التلميذ، لتمكينه من أن يزيد قواه العقلية الذاتية (34: 55)0
  • يتردد تلاميذ المدرسة على بعض المصانع مرتين أو ثلاثة بعد الظهر متطوعين لممارسة بعض الأعمال الانتاجية، فبعضهم مثلا يذهب الى مصنع لعب الأطفال ليساعدوا فى تجميع أجزائها، أو فى رصها بالصناديق، وبعضهم يذهب الى مصانع الأغذية والفواكه المحفوظة ليساعدوا فى استخراج البذور والنوى، أو فى إعداد أكياسها، أو فى تغليف الحلوى والفاكهة (1: 24)0
  • وتمثل المدرسة المتوسطة رقم 31 فى بكين مثالا لتطبيقات التعليم الالزامى وكيفية الربط بين نشاط البيئة المحلية والمدرسة، فتقوم هذه المدرسة بإدارة مصنع يتكون من ثلاث ورش صغيرة أولاها تحتوى على عدة دوائر كهربائية تبين نظام العدد الكهربائية فى السيارات، وثانيتها ورشة للميكنات، وثالثتها ورشة تجميع المضخات الكهربية، وبين الآلات والشرر المتطاير يتدرب أكثر من مائة تلميذ وهم يرتدون المعاطف الزرقاء ويحضرون دروسهم (22: 75)0
  • وقد ارتبطت الصناعة والتقدم بالناحية التعليمية فى الصين، فعاصمة الصين بكين فيها أكثر من ثلاثمائة مدرسة متوسطة، ومعظمها لديها مصانع صغيرة تديرها، وبعض منها تدير مدارس فرعية فى المناطق الريفية، وكل مدرسة لها اتصال بعدة مصانع وبعض المجموعات المنتجة فى الأرياف، ولا يكافأ التلاميذ بصفة شخصية فى مقابل أعمالهم أثناء تعلمهم الانتاج، ويوضع الدخل من هذا الانتاج تحت تصرف كل مدرسة لتوسيع رقعة عملها (33: 158)0
  • وقد نمت المصانع التى تديرها المدارس فى بكين نمواً سريعاً كما أنها نمت فى كل أنحاء الجمهورية، منذ الثورة البروليتارية الثقافية الكبرى، وفى الأغلبية العظمى من الثلاثمائة مدرسة متوسطة فى بكين نفسها مصانع تسير على هذا النهج وبلغ انتاجها 380 صنفا من السلع وهى فى تزايد عاما بعد عام، وتتراوح بين لعب الأطفال وأدوات معدنية وآلات ميكانيكية، ويمكن أن نقسم المصانع التى تديرها المدارس الى فئتين :

      فئة منها يكون الانتاج فيها بحسب ما تمليه خطة الدولة، وفى هذه الحالة تقوم الدولة نفسها بإمدادها بالمواد الخام، كما تقوم بتصريف المنتجات، أما الفئة الأخرى فإنها توثق علاقاتها مع مصانع كبرى، وهذه تمد المدارس بقطع فتجمعها وتصنع منها الآلات لحساب هذه المصانع الكبرى، ومعظم هذه المصانع من الفئة الثانية، وتتبع المصانع التى تديرها المدارس مبدأ الاعتماد على النفس والانتفاع بما هو متاح ولا يتطلب إلا قليلاً من المال (22: 77-78)0

  • تعد الزراعة أهم موارد الثروة فى جمهورية الصين الشعبية، ولا يزال أكثر من 70% من الصينيين يشتغلون بالزراعة وهذه النسبة تمثل أكثر من 100 مليون أسرة، فالصين من أغنى دول العالم الزراعية وانتاجها الزراعى عظيم وغلاتها عديدة ومتنوعة، فالفلاح الصينى يتميز بالجد والكفاح وهو مغرم بأرضه ويرى العمل فى الزراعة أشرف مهنة فى الحياة (10: 51)0
  • وحيث أن أغلبية السكان يعشيون فى الريف، من ثم كان التعليم الريفى الأهمية الأولى، حيث أخذت الصين فى تطبيق نوعين من المدارس، نوع تديره الحكومة، والآخر تنظمه الوحدات الجماعية الزراعية (الكوميونات) وفرق الانتاج تنشئ وتدير العديد من المدارس (31: 59)0
  • وفى كل المدارس الزراعية الريفية بجانب ممارسة الانتاج فى مزارعها الخاصة يمكنها أن توقع تعاقدات مع التعاونيات الزراعية المحلية للمشاركة فى الانتاج والعمل، ويمكن للمعلمين أن يقيموا فى هذه التعاونيات ليتم التنسيق والربط بين النظرية والتطبيق، كما تقوم التعاونيات بإرسال بعض الأفراد المؤهلين ليدرسوا فى المدارس الزراعية (23: 173)0 وفى بعض المدارس الالزامية الريفية (الابتدائية والمتوسطة) يقوم التلاميذ بالعمل جنبا الى جنب مع الفلاحين لمدة شهر، كما تنظم هذه المدارس عمل التلاميذ ليقدموا يد المساعدة فى الحصاد ضمن سبع فرق انتاجية مجاورة (23: 188)0
  • وقد قام المعلمون والتلاميذ فى المدرسة المتوسطة بقرية "يوكو تشوانج" جنوب بكين باختراع مصباح يقضى على حوالى خمسة كيلو جرامات من الحشرات كل ليلة، ويعتبر هذا المصباح من الانجازات التى تمخضت عنها الثورة الثقافية فى التعليم، وفى عام 1974م قام "كوميون ليكوتشيا" الذى تقع المدرسة فيه بعمل برنامج مدته عشر سنوات يقتضى تخطيط الشكل العام للأرض وانشاء الطرق والقرى الجديدة، ومنذ ذلك التاريخ قامت المدرسة المتوسطة فى قرية يوكو تشوانج بربط التدريس فيها بهذه الخطة (22: 83-84)0 وبدأت هيئة الزراعة تطالب بالتعليم التقنى المحدود ذو الارتباط القريب بحياة الفلاحين0

وفى ضوء ما سبق يتضح أن حاجة جمهورية الصين الشعبية الى التصنيع من الناحية الاقتصادية فرضت على النظام التعليمى بصفة عامة والتعليم الالزامى بصفة خاصة سياسة محددة تتمثل فى خدمة الاقتصاد، لذلك نجد أن هناك ربطا بين المدارس وبين المصانع بأنواعها المختلفة واشتراك التلاميذ فى العملية الانتاجية، بل أن هناك مدارس كثيرة تشترك فى إدارة المصانع وتمتلك المصانع، وقد فرض الوضع الاقتصادى فى الصين وحاجتها للتنمية والانتاج، أن تضمنت مناهج التعليم بصفة عامة ومناهج التعليم الالزامى بصفة خاصة التركيز على أهمية العمل والانتاج والصناعة بأنواعها المختلفة، واتباع سياسة التعليم والعمل المنتج لأهمية ذلك فى تحقيق التنمية الاقتصادية فى المجتمع الصينى0

وقد هيأ الانتشار الكبير للصناعة فرصا كثيرة للعمل والوظائف للعمال المهرة ونصف المهرة، وانعكس ذلك على اهتمام الصين بالتوسع فى التعليم الفنى من أجل العمل المنتج0

كما أن تواجد معظم التلاميذ بالمدارس الابتدائية والمتوسطة فى الأرياف سهل عملية اشراكهم فى أعمال الحقل ووضع مواد التدريس من واقع الحياة المحيطة بهم، واذا كانت الكوميونات الشعبية قامت بميكنة كثير من أعمال الحقل وانشاء مشروعات لتخزين المياه وإقامة مصانع لانتاج أدوات الحقل أو تحسين انتاجها، الأمر الذى فرض على التعليم ضرورة أن يتمشى مع هذه التطورات ومشاركة التلاميذ بالمناطق الريفية فى تلك الأنشطة0

وقد أعطت التنمية الزراعية دفعة لعدد محدود من الوظائف الجديدة فى القرى، تشمل المحاسبين، والكهربائيين الذين يتعاملون مع المضخات والمواتير، والميكانيكيين، وموظفى محطات الأرصاد المحلية التى تم انشاؤها(39: 88)0

التعليم الإلزامى والتنمية الاجتماعية :

اتضح مما سبق أن للتعليم دخلاً فى إعداد وتأهيل العامل الذى يصنع الإنتاج المادى السلعى الذى يباع بالثمن، ويحدث كل الآثار الاقتصادية المرغوب فيها كزيادة الدخل القومى، ورفع مستوى المعيشة، وفتح فرص العمل، وتوجيه الاستهلاك وجهة معينة تسهم فى زيادة مدخرات الفرد وتوجيهها الى الاستثمار وانتاج سلع جديدة دون مغالاة فى انتاج سلعة بعينها الى الحد الذى يحرم المجتمع من السلع الأخرى، أو يؤدى الى كساد هذه السلعة (18: 35)0

إن التعليم مطالب بأن يغرس فى نفس الانسان شعورا قويا بأن فى استطاعته أن يخلق بيئته الاجتماعية بقوة عمله، وأنه كما يؤثر فى الطبيعة ويغيرها يستطيع أيضا أن يؤثر فى بيئته الاجتماعية ويغيرها، ويعبر عن نفسه فى هذه العملية (11: 47)0

والتنمية الاجتماعية عبارة عن عمليات تغير اجتماعى تتصل بالبناء الاجتماعى ووظائفه بغرض اشباع الحاجات الاجتماعية للأفراد (19: 25)0 وهى ليست مجرد تقديم خدمات اجتماعية وانما تعتبر تغيرا من مواقف غير مرغوب فيها الى مواقف أخرى مرغوب فيها، كما تعنى استخدام الارادة البشرية لاعطاء التغير اتجاهاً منطقياً من أجل تحقيق الأهداف المطلوبة0 وهى بذلك تعتبر مرتبطة بالأهداف الانسانية فى انصهارها مع القيم الاجتماعية0 وينظر الى القيم الاجتماعية من ثلاث زوايا هى(19: 31):

-   نمو قدرة الانسان على التحكم وضبط الأحوال والظروف المعيشية فى بيئته الطبيعية والاجتماعية.

-   نمو اتجاهات الانسان نحو التعاون الاجتماعى الداخلى والخارجى 0

-   نمو العلاقات التعاونية الحرة0

والحديث عن التنمية الاجتماعية ودور التعليم الالزامى تجاهها حديث متعدد الجوانب، فالمدرسة ذاتها مؤسسة اجتماعية والتربية هى عملية تنشئة اجتماعية، وإذا نظرنا الى مرحلة التعليم الالزامى فى جمهورية الصين الشعبية على أساس أنها المؤسسة التعليمية الاجتماعية التى تعلم وتربى وتمد التلاميذ بالخبرات التعليمية، حيث تقدم للتلاميذ الأساسيات التعليمية والاجتماعية بهدف تنمية جميع جوانب التلميذ: الجسمية والعقلية والأخلاقية، وشعار رواد الشباب “خمسة أشياء حسنة” وهى: حسن فى دراسته، حسن فى عمله، حسن فى جسمه، حسن فى تفكيره، حسن فى مجهوده0 بالاضافة الى محاولة التلميذ لاتقان هذه المهارات حتى يثبت أنه أكثر فعالية وعلى درجة كبيرة من الوعى الاجتماعى الاشتراكى والثقافى0

أى أن التعليم الالزامى فى جمهورية الصين الشعبية مطالب بالقيام ببعض الوظائف الاجتماعية والثقافية بجانب الوظائف الاقتصادية00 ومن أهم الوظائف التى يقوم بها التعليم الإلزامى ما يلى:

-   تنظيف الحدائق العامة والطرق والمؤسسات الحكومية، وكذلك تنظيف المدارس والمناطق التى تحيط بها (1: 24)0

-   البعض من التلاميذ يذهبون عندما تشتد حرارة الجو الى المحطات المزدحمة والترام ليقدموا مياه الشرب للسائقين والمفتشين، وهؤلاء التلاميذ يأخذون معهم المياه والأكواب، كما يأخذون معهم مناشف ومحلولا مطهرا ليتمكنوا من تطهير الأكواب وحفظها نظيفة0 وكثيرا ما يكتب السائقون والمفتشون خطابات يشكرون فيها هؤلاء التلاميذ، ويمتدحون روحهم الطيبة (23: 116)0

-   وعندما تكون هناك مشروعات أو حملات توعية اجتماعية يقوم هؤلاء الصغار أحيانا بالاسهام فيها ببرامج مناسبة، فاذا كانت هناك مثلا حملة توعية صحية فإن مجموعة منهم تذهب الى محطات وسائل النقل والمواصلات ونواحى الطرق رافعين أعلامهم وهم ينشدون بعض الأناشيد، ويلقون بعض الأحاديث المناسبة ويرددون شعارات مثل "لاتبصقوا فى الشارع"، بل أنهم أحيانا يقدمون الورق الى من يفعل ذلك، ويطالبونه بأن يمسح بصقة من الرصيف، ثم يضع الورق فى حوض به مطهر يحملونه معهم (1: 25)0

-   تعتبر الحياة فى المدرسة الابتدائية خبرة سعيدة لدى الطفل فى الصين فالمنهج خفيف والتعليم والواجبات معقولة، والمعلمون يحترمون الأطفال ويستطيع الأطفال أن يدلوا برأيهم فى الأشياء التى تخصهم، بل وتسود روح التعاون والعمل الجماعى وروح الانتماء والود والصداقة فى كل جانب من جوانب الحياة المدرسية (23: 115)0

-   فى عام 1979م أعلنت وزارة التربية والتعليم "قواعد للتلاميذ" التى حددت عشرة بنود يجب على التلاميذ التقيد بها  وهى: حب الوطن والشعب، الالتزام بمواعيد الدروس، الاصغاء للمعلم، المواظبة على التربية الرياضية، النظافة الشخصية والعامة، حب العمل، الانضباط والنظام، احترام المعلم ومن يكبر سنا، الاعتناء بالجماعة والممتلكات العامة، الصدق وتصحيح الأخطاء (23: 117)0

-   وخلال فترة إعادة التنظيم كان التغيير والتجديد متمسكا بالشمولية فى محاولة التغلب على الاختلافات الثلاث الرئيسية فى المجتمع الصينى، وهى الاختلاف القائم بين المدينة والريف، وبين العمال والفلاحين، ثم بين العمل العقلى والعمل اليدوى، هذه الأفكار والقيم أسهمت فى تقديم توضيح وإدراك لما يدور فى المجتمع ككل وركزت على التغيرات الكمية، وإقامة عدد كبير من المدارس الالزامية الى جانب مدارس العمال والفلاحين مساهمة وتدعيما للنظام التعليمى الرسمى، وكنتيجة منطقية لذلك فإن الفرص التعليمية المتاحة زادت داخل الهرم التعليمى وبهذه الطريقة تم التقليل من فرص عدم المساواة التى كانت قائمة فى الخدمات التعليمية للأفراد فى الحضر والريف(17: 352)0

-   وقد اهتمت الصين بالانسان الذى يتوافر لديه الوعى بأهداف التنمية والتخطيط، الانسان القادر على العطاء من أجل تطوير كافة الأوضاع التى تسود المجتمع، فقد أدى ازدهار التعليم واتاحة فرصة أمام جميع الراغبين فيه الى توثيق العلاقات الاجتماعية وتعميقها، وسيادة الشعور بالانتماء والولاء والتماسك، وارتفاع مستوى المرأة واحترامها الى غير ذلك من مؤشرات التقدم0

-   مع تطور المجتمع الصينى وقيام ثورته الاشتراكية وظهور الاصلاح المستمر فى شئون التعليم والذى اهتم بمشكلة اللغة والعمل على تبسيطها وتقليل مفرداتها حتى تفهم وتكتب بسهولة، قد انعكس ذلك على أن نسبة الأمية بين أفراد المجتمع الصينى بدأت تقل بشكل ملحوظ، وأصبح هناك إقبال على التعليم وإلحاق الأطفال بمدارس التعليم الإلزامى، والذى يمثل بداية الخط الصحيح للقضاء على مشكلة الأمية فى الصين، وسيرها فى طريق التقدم والتنمية0

تعقيب :

لم تحظ تجربة من تجارب التنمية والتطور بهالة أسطورية من الاحتفاء والتقدير بقدر ما حظيت به التجربة الصينية، اذ يعتبرها الباحثون فى الشرق والغرب من ضروب المعجزات، حيث استطاعت التجربة الصنية أن تقدم للعالم الثالث نموذجا فريدا من التنمية الاقتصادية والاجتماعية، يقوم على أساس الاشتراكية والاعتماد على النفس، ونجحت فى أن تجعل من بلد زراعى متخلف فقير جاهل قوة دولية عظمى0 والشعب الصينى صاحب تقاليد وقيم اجتماعية عريقة استطاع أن يوظفها لخدمة عملية التنمية، ولاشك أن تلك التقاليد والقيم الاجتماعية العريقة مسئولة عن تحول الصين من مجتمع تقليدى الى مجتمع حديث0

لقد استطاعت التربية فى الصين أن تساعد العقول على التنمية فى فترة قليلة من السنين0 ولقد انتهجت الصين طريقا يختلف عن الطريق الذى سلكته غالبية الدول فى العالم النامى، فكانت نقطة التقاء لعدد كبير من العوامل المستقلة والتى أعطت الصين فرصة الانفتاح المخطط، وقد كانت بلداً متأخراً وشعباً فقيراً، حيث كان الاقتصاد الصينى اقتصاداً حراً زراعياً متخلفاً، ولم تبدأ الصناعة الحديثة فى الصين إلا بعد منتصف القرن التاسع عشر، فكانت الصين- قبل قيام النظام الجمهورى- سوقاً مفتوحة، تفتقر الصناعة الوطنية لكل حماية، وذلك فى ظل ضغوط واقعة عليها من القوى الأجنبية، وهكذا احتل رأس المال الأجنبى مركز السيادة لمدة طويلة (16: 325)0

ولقد أعيد بناء الاقتصاد الصينى عن طريق الاستخدام المركز لمورد الصين الأكبر، أى قوتها البشرية الهائلة التى لم تكن تستخدم من قبل إلا استخداماً جزئياً0

وقد اتضح من العرض السابق أن للتعليم الإلزامى فى الصين أهميته ودوره فى تقرير مصير المجتمع والشخص معا، كما أن له جوانبه القومية والثقافية والاجتماعية والإقتصادية التى يمكن بها تزويد الفرد بالمهارات والكفاية التى تجعل الفرد قادراً على أن يشارك بنجاح فى تنمية مجتمعه وبيئته0 كما أن الصين ربطت بمهارة فائقة بين التعليم والعمل المنتج وبرزت العلاقة بين ما يدرس فى الحجرة المدرسية وسوق العمل والانتاج وذلك لتقليل الفجوة بين الريف والحضر وبين العمل الفكرى والعمل اليدوى0

ولقد استخدمت الصين التربية فى عملية التنمية، فوضعت سياسة قومية تعترف بأن التربية مطلب أساسى من مطالب التنمية، واصبح هناك ميدان هام يهدف الى خلق الرغبة فى إحداث التقدم لدى العنصر البشرى وخلق الانسان المدرب لإحداث التنمية الاقتصادية والاجتماعية0

وإذا كانت الصين قد واجهت تحديات ومشكلات تربوية انتهجت أسلوباً معيناً فى التصدى لها، إلا أن هناك الكثير من الجوانب الإيجابية البارزة على طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية التى يستفاد منها فى نظام التعليم الإلزامى المصرى، ويمكن إيجاز أهم الدروس المستفادة من تجربة الصين فيما يلى:

  • الربط بين التعليم المدرسى وبين العمل اليدوى الإنتاجى وربط المدارس بالمصانع والمزارع وإقامة المصانع والورش فى المدارس وتخفيف التركيز على التعليم للتعلم ذاته.
  • نقل مسئولية تطوير التعليم الالزامى الى السلطات المحلية فى المناطق والأقاليم.
  • تقليص الدور الأكاديمى فى قيادة المدارس وتغيير القيادة التقليدية فيها وتشكيل لجان من بعض أعضاء المجتمع المعنيين والمعلمين والتلاميذ وذلك بهدف تحقيق عنصر المشاركة العامة لإدارة المؤسسات التعليمية والتربوية.
  • تطوير البرامج الخاصة بمهنة التعليم وتدريب القيادات التربوية والمعلمين التدريب العملى الأكاديمى اللازم لبرامج التنمية.
  • زيادة الدعم المالى من قبل الحكومة والسلطات الاقليمية لقطاع التعليم وخاصة التعليم الإلزامى لتمكينه من الاضطلاع بالوظائف المنوطة به من توفير مبانى وأدوات وأماكن لازمة للانتاج والعمل على طريق التنمية.
  • الاهتمام بغرس الجانب الوطنى فى شخصية التلاميذ والتربية من أجل بناء المجتمع من خلال العناية بالموضوعات الفنية ذات الصلة المباشرة بالمشكلات الوطنية والمشروعات الصناعية الانتاجية.
  • التشجيع المستمر على اشتراك التلاميذ فى أوجه النشاط الانتاجى وتغيير النظرة لقيمة العمل اليدوى لدى التلاميذ والمجتمع وذلك بالإكثار من التفاعل بين المدرسة والمجتمع وزيادة المصانع والآلات والمعدات بها للعمل على الربط بين النظرية والتطبيق.

 

 

مراجع الدراسة

 1-  

أحمد حسن عبيد0 النظام التعليمى وبنية السياسة التربوية: دراسة مقارنة0 الطبعة الثانية0 القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1979.

 1-  

السيد أحمد حامد0 "النواحى الاجتماعية والثقافية للبيئة وأثرها فى التنمية"0 الانسان والبيئة: مرجع فى العلوم البيئية للتعليم العالى والجامعى0 القاهرة: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1978.

 1-  

ثابت كامل حكيم0 التعليم الأساسى من أجل التنمية فى جمهورية مصر العربية: دراسة تحليلية0 القاهرة: المطبعة العثمانية بالدراسة، 1982.

 1-  

ثناء يوسف العاصى0 التاريخ التربوى فى العصور الحديثة0 الطبعة الأولى0 طنطا: مكتبة التقدم، 1989.

 1-  

جلال مدبولى0 المجتمعات الريفية المستحدثة: تخطيطها وتنميتها0 الطبعة الأولى0 القاهرة: دار النهضة العربية، 1979.

 1-  

جمعية الرعاية الاجتماعية الصينية0 الصين اليوم0 العدد الخامس0 مايو 1992.

 1-  

جمعية الرعاية الاجتماعية الصينية0 الصين اليوم0 العدد الثانى0 فبراير 1994.

 1-  

جمعية الرعاية الاجتماعية الصينية0 الصين اليوم0 العدد الخامس0 مايو 1994.

 1-  

جمهورية الصين الشعبية0 اللجنة الوطنية للتربية0 تطور التربية فى الصين (1984-1986). ترجمة مكتب التربية العربى لدول الخليج العربى0 الرياض: مكتب التربية العربى لدول الخليج العربى، 1987.

 1-  

حسن محمد جوهر وعبد الحميد بيومى0 الصين: من مجموعة شعوب العالم0 القاهرة: دار المعارف المصرية، 1981.

 1-  

ستيفن كامل وآخرون0 "دور التعليم خلال مرحلة انتقاليه"0 ترجمة محمود الشريف0 مستقبل التربية0 العدد الرابع0 اليونسكو 1982.

 1-  

سعيد اسماعيل على وزينب حسن حسين0 دراسات فى اجتماعيات التربية0 القاهرة: دار الثقافة للطباعة والنشر، 1979.

 1-  

صلاح الدين نامق0 النظم الاقتصادية المعاصرة وتطبيقاتها: دراسة مقارنة0 القاهرة: دار المعارف، 1982.

 1-  

ضياء زاهر0 "التعليم ونظريات التنمية: دراسة تحليلية نقدية"0 دراسات تربوية0 الجزء الأول. نوفمبر 1985.

 1-  

عبد الرحيم أحمد حسين0 "الثورة الثقافية فى تاريخ الصين"0 عالم الفكر0 المجلد التاسع عشر0 العدد الأول0 أبريل- مايو- يونيو 1988.

 1-  

عبد الغنى عبود0 دراسات مقارنة لتاريخ التربية0 الطبعة الأولى0 القاهرة: دار الفكر العربى، 1978.

 1-  

عبد الغنى عبود وآخرون0 التربية المقارنة: منهج وتطبيقه0 القاهرة: دار النهضة العربية، 1989.

 1-  

عبد الله السيد عبد الجواد0 الوظائف الاقتصادية والاجتماعية للتربية والتخطيط لإنجاحها0 الطبعة الأولى0 مكة المكرمة: مكتبة الطالب الجامعى، 1988.

 1-  

على الكاشف0 التنمية الاجتماعية: المفاهيم والقضايا0 القاهرة: عالم الكتب، 1985.

 1-  

عليه حسن حسين0 دراسات فى المجتمع المصرى- الواحات الخارجة- دراسة فى التنمية والتغير الاجتماعى فى المجتمعات المستحدثة0 القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1975.

 1-  

فاروق حمدى0 "اتجاهات التجديد فى مناهج التعليم الأساسى"0 مجلة التربية الجديدة0 العدد الخمسون0 اليونسكو0 مايو 1990.

 1-  

فانج هسوه0 "مصنع تديره مدرسة فى بكين" ترجمة أحمد فاكى0 مستقبل التربية: تحقيق خاص عن سمات التعليم فى الصين0 العدد الرابع0 اليونسكو: دار مطبوعات اليونسكو، 1975.

 1-  

فرغلى جاد أحد0 نظام التعليم فى الصين: التجربة والدروس المستفادة0 الطبعة الأولى0 القاهرة: دار المعارف بمصر، 1989.

 1-  

محمد سيف الدين فهمى0 المنهج فى التربية المقارنة0 الطبعة الأولى0 القاهرة: مكتبة الانجلو المصرية، 1981.

 1-  

محمد قدرى لطفى0 دراسات فى نظم التعليم0 القاهرة: مكتبة مصر بالفجالة، 1973.

 1-  

محمد نبيل نوفل0 التعليم والتنمية الاقتصادية0 القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1979.

 1-  

محمد نبيل نوفل0 دراسات فى الفكر التربوى المعاصر0 القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية،1985

 1-  

مر نمريت أ0 سنكلر0 "التدريب على العمل اليدوى فى مدارس العالم الثالث"0 ترجمة محمد عادل الأحمر0 المجلة العربية للتربية0 العدد الأول0 تونس: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم: ادارة التربية، يوليو 1981.

 1-  

مصطفى زايد0 التنمية الاجتماعية ونظم التعليم الرسمى فى الجزائر: مدخل سوسيولوجى جديد لدراسة التعليم والتنمية فى المجتمعات السائرة على طريق النمو0 الجزائر: دار المطبوعات الجامعية، 1986.

 

 1-  

منصور حسين وكرم حبيب0 التعليم وخطة التنمية0 القاهرة: مكتبة الوعى العربى، 1970.

 1-  

هسين وين0 "التعليم الابتدائى والثانوى فى الصين"0 ترجمة محمد بسيونى الخطيب0 مستقبل التربية: تحقيق خاص عن سمات التعليم فى الصين0 العدد الرابع0 اليونسكو: مركز مطبوعات اليونسكو، 1975.

 1-  

هو يونج فان0 "استمرار أعمال محو الأمية فى الصين" ترجمة عايدة فهمى الحسينى0 مستقبل التربية: الملف المفتوح- حملات محو الأمية0 العدد الثانى0 اليونسكو: مركز مطبوعات اليونسكو، 1982.

 1-  

يانج تشن0 "التعليم والعمل المنتج فى الصين"0 ترجمة درية على الكرار0 مستقبل التربية0 العدد الثالث0 اليونسكو: مركز مطبوعات اليونسكو، 1977.

 1-  

يونج هونج0 "الثورة التعليمية"0 ترجمة محمد عبد العزيز جاد الله0 مستقبل التربية: تحقيق خاص عن سمات التعليم فى الصين0 العدد الرابع0 اليونسكو: مركز مطبوعات اليونسكو، 1975.

35- Cheng Kai- Ming. “Young Adults in a Changing Socialist Society: Post Compulsory Education in China. Comparative Education. Vol. 30, No. 1, 1994.

36- Chui _ Sam Tsang. Society, Schools and Progress in China. Oxford: Pergamon Press, 1968.

37- J. Kennedy Patrick. Republic of China. U.S.A., April 1977.

38- Philip H. Coombs. What is Education Planning?. Paris: International Institute for Educational Planning, 1970.

39- R. P. Pricf. Education in Modern China. London: Routledge and Megan Paul, 1979.

40- Regie Stites and Ladislaus Semali. “Adult Literacy for social Equality or Economic Growth? Changing Agendas for Mass Literacy in China and Tanzania”. Comparative Education Review. Vol. 35, No. 1, February 1991.

41- UNESCO. World Survay of Education (V): Educational Policy, Legislation and Adminstration. Paris: Unesco, 1971.