(ملخص بحث)

التوظيف الفني للقَصَص الديني اليهودي في تأصيل فكرة " اختيار إسرائيل "

مقاربة نقدية

 

 

( مؤتمر "القصة في الآداب الشرقية" 4 – 5 أكتوبر 2016م ، مركز الدراسات الشرقية – جامعة القاهرة )

                                                   

 

يشير مفهوم "اختيار إسرائيل" في الفكر الديني اليهودي إلى اصطفاء بني إسرائيل من لدن الخالق بوصفهم شعبه الخاص وجماعته المقدسة ، بل لقد شبَّه الأدب المقرائي تلك العلاقة الخاصة بين الرب وجماعة إسرائيل بعلاقة الزوج أو الحبيب (الرب) بالزوجة أو الحبيبة (إسرائيل).

لقد غدا ذلك المفهوم ، عبر طبقات الفكر اليهودي في إطاراته الزمكانية المتعددة ، إحدى البُنى التحتية للديانة اليهودية ، وبات عقيدة مؤسسة نهضت عليها غيرها من العقائد الأخرى ، ذلك أن استحقاقات "الشعب المختار" اقتضت اقتطاع أرض معينة كملكية خاصة وميراث أبدي لجماعة إسرائيل ، فيما عُرف   بــــ" العهد - בְּרִית " ، كما اقتضت العناية الإلهية الخاصة بتلك الجماعة تقرير مصيرها وجمع أشتاتها من أرجاء المعمورة وردها إلى أرضها المقدسة ، وهو ما عبرت عنه عقيدة " الخلاص – גְאולָה ".

ولم يقف مفهوم "الاختيار" عند حدود التصور الذهني والاعتقاد فحسب ، بل تعدى حدوده النظرية إلى مجالات الممارسة والتطبيق ، وأفضى إلى الفصل والتمييز بين الإسرائيليين و"الأغيار" في شتى مناحي الحياة.

ونظرًا لمحورية عقيدة "الاختيار" في الإيديولوجية اليهودية وتأثيرها في جماهير اليهود من ناحية ، وانعكاساتها على غير اليهود من ناحية أخرى ، فقد اهتم الخطاب الديني اليهودي ، سواء على مستوى المتون أو الشروح ، بتسويغ وترسيخ ذلك الاعتقاد في الوجدان اليهودي.

 

 

مشكلة الدراسة

أرست الشريعة اليهودية مبدأ "اختيار إسرائيل" بصريح نص التوراة: " כִּי עַם קָדוֹשׁ אַתָּה, לַיהוָה אֱלֹהֶיךָ; וּבְךָ בָּחַר יְהוָה, לִהְיוֹת לוֹ לְעַם סְגֻלָּה, מִכֹּל הָעַמִּים, אֲשֶׁר עַל-פְּנֵי הָאֲדָמָה " - "لأنك شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ وَقَدِ اخْتَارَكَ الرَّبُّ لِتَكُونَ لهُ شَعْباً خَاصّاً فَوْقَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الذِينَ عَلى وَجْهِ الأَرْضِ"([1]). وإلى جانب هذا الخطاب التقريري المباشر فقد جاءت القصة الدينية لتفسير وتعليل أصل تلك العقيدة ، فتحكي سلسلة أحداث تاريخية([2]) متواصلة تشهد باستمرارية قصد واحد ، وتظهر اختيار إسرائيل ممهَّداً له بسلسلة تفضيلات أو اختيارات سابقة تبدأ بمباركة سام بن نوح ، ومرورًا بقطع العهد لإبراهيم ، إلى أن تكتمل السلسلة باختيار يعقوب أو إسرائيل ، وذلك من خلال سياقات فنية تهدف إلى تجاوز أثر الخطاب المتعالي المباشر باستخدام طريقة الحَكْي التي لا تعتمد على المباشرة أو المصادرة بقدر اعتمادها على بعض المقدمات الإقناعية بغية تأصيل تلك العقيدة في الوجدان اليهودي وإقامة برهانها، بل وجعل القارئ (الجماهير اليهودية) وكأنه شاهدًا عليها في آن معًا.

وإذا كان الحَكْي التوراتي أو الحدث الذي يبشر باختيار إسرائيل يأتي في سياق مجمل حينًا وأكثر إجمالاً أو رمزًا حينًا آخرًا ، فإن روايات الأجَّاداه – بوصفها أثرًا دينيًا موازيًا وأحد تجليات الشرع الشفاهي – قد جاءت تفصيلاً وتوسيعًا لذلك الحَكْي وشارحةً لشخصياته وأحداثه. فمثلاً بينما يشير القَصص التوراتي لحادثة طرد إبراهيم لإسماعيل (عليهما السلام) وتخصيص عهد إبراهيم لإسحاق وذريته من دون إسماعيل ، تأتي الرواية الأجَّادية في التلمود والمدراشيم لتبرِّر اختيار إسحاق وإقصاء إسماعيل ، وكما صور سفر الخروج حدث نزول التوراة على إسرائيل في سيناء ، جاءت الرواية الأجَّادية تحكي لماذا خصَّ الرب إسرائيل بالتوراة دون سائر الأمم.

ولما كانت الغاية من وراء تلك القِصص واحدة ، ومهما تعددت سياقاتها وتنوعت شخصياتها ، فقد كان من الأحرى قراءتها – أو إعادة قراءتها/بنائها – كبنية فكرية وفنية واحدة ، وهو موضوع هذه الدراسة.          

 

أهداف الدراسة

تهدف الدراسة أساسًا إلى معالجة فكرة "اختيار إسرائيل" في ضوء القَصص الديني اليهودي ، وذلك من خلال التحليل الفني لعناصر البناء القصصي ودورها في تجسيد تلك الفكرة ، وبيان مدى نجاح أو إخفاق تلك العناصر في أداء وظيفتها وتثبيت عقيدة الاختيار.

 

تساؤلات الدراسة

ترمي الدراسة إلى تحقيق ما تهدف إليه من خلال الإجابة عن بعض التساؤلات الأساسية ، أهمها:

- كيف وظَّف القَصَص الديني المضامين الأدبية في ترسيخ المضامين الدينية ، وهل تحققت المواءمة بين الشكل والمضمون؟

- هل جاءت الرواية الأجَّادية متساوقة والرواية التوراتية أم مغايرة لها في بعض الأحيان؟

- هل نجح القَصَص الديني في تثبيت دعائم عقيدة الاختيار أم أحدث صَدعًا في أساساتها الفكرية ( فرضًا)؟ ولأى مدى؟

- هل ثمة مؤثرات ثقافية خارجية لتلك الروايات؟

 

منهجية الدراسة

تتوخى الدراسة منهجًا أدبيًا يسعى لقراءة النص القصصي من مختلف زواياه بما يسمح باستيعاب الأبعاد التاريخية للأحداث ، والأبعاد النفسية والاجتماعية للشخصيات ، والأبعاد البلاغية لأسلوب الحكاية.

 

خطة الدراسة

          يتناول البحث مجموعة القصص الدينية التي تشير إلى اختيار إسرائيل ومعالجتها من حيث الشكل والمضمون ، فجاء في مبحثين رئيسين ، تصدرهما تمهيد وأعقبهما خاتمة ، وذلك على النحو التالي:

- تمهيد: فكرة "اختيار إسرائيل" وتجلياتها في المصادر الدينية اليهودية

- المبحث الأول: البنية الفكرية في روايات "الاختيار"

- المبحث الثاني: البنية الفنية لروايات "الاختيار"

- الخاتمة والنتائج

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] ) تثنية: 14/ 2

[2] ) لا يشير وصف الأحداث بالتاريخية هنا إلى واقعيتها ومصداقيتها في التاريخ الإنساني بالضرورة، وإنما توصف بالتاريخية ( من وجهة نظر أصحابها على الأقل ) للتمييز بينها وبين الأحداث التي تسوقها الحكايات الوعظية التعليمية المجردة التي تعتمد على الرمز والتمثيل.