(ملخص بحث)

مضامين الفعل الإلهي في الكون من خلال سفر التكوين

دراسة تحليلية في ضوء التفاسير والروايات اليهودية

 

 

(مؤتمر الموروث في الآداب الشرقية 12 – 13 أبريل 2016 م. ، مركز الدراسات الشرقية – جامعة القاهرة )

                                                   

 

يمكن القول بإن اليهود قد صاغوا إلهًا خاصًا بهم ، بحيث باتت صورة هذا الإله وصفاته، فيما بعد ، مزيجًا من المأثور السماوي والمأثور الإنساني تجسَّد في ملامح تشاوبية ، جمعت بين سمات التنزيه ، وبين سمات التجسيد في آن معًا ، تلك التي سيطرت على طبقات الفكر اليهودي في مختلف العصور.

 

مشكلة الدراسة

إذا كان التيار المادي في الفكر اليهودي قد نبع من عجز العقلية اليهودية عن إدراك كنه الإله الغيبي الذي لا تدركه الأبصار ، فإنه – بالتالي – قدم طروحات عديدة لإله أشبه بالبشر ، في صفاته ، وفي أفعاله. هذه الطروحات لم تقتصر على شرح المتون/التوراة ، بل عرفت طريقها إلى تلك المتون نفسها.

وفي هذا السياق يأتي الفعل الإلهي في الكون كاشفًا ، بالضرورة ، عن طبيعة ذلك الإله وصفاته. وهذا الفعل ، حسب التصوير التوراتي ، وإن تعددت أشكاله ، يمكن أن يُصنَّف وفق إطارين رئيسين ، أحدهما مادي ، والآخر معنوي.

أما الإطار المادي فيتضمن جملة الأفعال الملموسة التي يمكن إدراك آثارها وقياسها بالحواس كالأفعال التي تشير إلى الخلق ، والبناء ، والهدم ، والإشفاء ، والإهلاك. بينما يختص الإطار المعنوي بجملة الأفعال الداخلية غير المنظورة كالتفكير ، والعلم ، والتذكُّر، والإرادة ، والندم.    

ولعل تحليل تلك الأفعال الإلهية من شأنه تأسيس صورة كلية لذلك الإله وطبيعته في العقيدة اليهودية من ناحية ، كما يعكس الخريطة الذهنية للعقلية اليهودية وطبيعتها من ناحية أخرى. إذ ثمة علاقة جدلية بين صورة الإله ، وبين التصور اليهودي أو المعتقد الذي أسس لتلك الصورة.

وما يهمنا هنا ليس تقديم تحليل لصورة الإله في اليهودية ، فتلك مسألة لم تخلو من معالجة ، وإنما هو تحليل العقلية اليهودية وأدواتها في إدراك وتصوير ذلك الإله ، بوصفها عقلية مؤسسة لعقيدة أكثر من كونها ناقلة لها أو حتى شارحة.

على أن تناول الدراسة الأفعال الواردة في سفر التكوين ، على وجه الخصوص ، إنما لعناية ذلك السفر بتصوير الأحداث المهمة التي أسست للكون ونواميسه ، ورسمت مسارات البشرية فيه.  

 

أهمية الدراسة وأهدافها

تأتي أهمية هذه الدراسة بوصفها تسليطًا للضوء على جانب مهم من جوانب اليهودية وبنيتها التحتية متمثلاً في تصوُّر الخالق. إذ تهدف الدراسة إلى تحليل مضامين الأفعال الإلهية إزاء الكون والبشرية ، ودوافعها ، ورجع صداها (كما يصورها سفر التكوين على وجه الخصوص) بغية الكشف عن التصوير اليهودي لتلك الأفعال على اختلاف التيارات والاتجاهات المعبرة عن وعي يهودي ، وثقافة يهودية ، يتطلع هذا البحث المتواضع أن يفسر بعض خصائصها.

 

تساؤلات الدراسة

ترمي الدراسة إلى تحقيق جملة أهدافها السابقة من خلال الإجابة عن بعض التساؤلات المركزية:

- كيف فهم اليهود الخالق ، وما هو سبيلهم إلى ذاك الفهم؟

- ما مدى قرب الوعي اليهودي ، أو بعده ، من التصور العقلي التنزيهي للإله؟

- هل ثمة مؤثرات خارجية لذلك الوعي؟

 

إشكالية الدراسة

إن تناول الفعل الإلهي وتحليله شكلاً ومضمونًا بأدوات الإدراك والمنطق البشريين ، رغم ما يحيط ذلك الفعل من حجب الغيب وهالات التقديس ، من شأنه أن يقود إلى نفس التناقض ، ويخضع البحث ، سواء بوعي أو دون وعي ، لمؤثرات الفكر التجسيدي/التشبيهي ، والذي قد يقع في نطاق الحظر الديني ، فضلاً عن أنه لا يستقيم منهجيًا.

بيد أن توفر بعض المعطيات الدينية الكاشفة من تفاسير ونصوص نقلية معتبرة ، على الأقل من وجهة نظر أصحابها ، يمكن أن يحقق توازنًا مناسبًا بين طرح غيبي وتناول بشري.

 

منهجية الدراسة

تتبع الدراسة المنهج التحليلي الذي يقوم بتحليل مضمون الفعل الإلهي ، ودوافعه ، وأساليبه ، من خلال مصادره (متونًا ، وشروحًا ، وروايات). كما تعتمد على المنهج المقارن الذي يقارن بين الأنماط الفعلية وخصائصها من ناحية ، ويقارن بين التصورات والاتجاهات اليهودية المختلفة وتفسيرها لتلك الأفعال من ناحية أخرى.

 

خطة الدراسة

تنقسم الدراسة إلى تمهيد ، ومبحثين ، وذلك على النحو التالي:

- تمهيد: الأنماط الرئيسة للفعل الإلهي من خلال سفر التكوين ، تحليل إحصائي

- المبحث الأول: مضامين الفعل الإلهي المادي

- المبحث الثاني: مضامين الفعل الإلهي المعنوي

- الخاتمة والنتائج